فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 89

والأصل في الأمر الوجوب إلاَّ إذا دلت قرينة على غيره، ومع ورود الوعيد على تركها وإنكار أنس ظاهر في أنهم خالفوا ما كانوا عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من إقامة الصفوف، فعلى هذا تستلزم المخالفة التأثيم.

وقال بعضهم: وهو ضعيف لأنه يفضي إلى أنه لا يبقى شيء مسنون لأن التأثيم إنما يحصل من ترك واجب.

قلت: قول هذا القائل ضعيف، بل هو كلام الفساد لأنا لا نسلم إن حصول التأثيم منحصر على ترك الواجب، بل التأثيم يحصل أيضا عن ترك السنة، ولا سيما إذا كانت مؤكدة، ومع القوم بوجوب التسوية فتركها لا يضر صلاته لأنها خارجة عن حقيقة الصلاة، ألا ترى أن أنسا، مع إنكاره عليهم، لم يأمرهم بإعادة الصلاة، ولا يعتبر ما ذهب إليه ابن حزم من بطلان صلاته مستدلًا بما صح عن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، أنه ضرب قدم أبي عثمان النهدي لإقامة الصف، وبما صح عن سويد ابن غفلة قال: كان بلال يسوي مناكبنا ويضرب أقدامنا في الصلاة، فقال ابن حزم: ما كان عمر وبلال يضربان أحدا على ترك غير الواجب. قال بعضهم: فيه نظر لجواز أنهما كانا يريان التعزير على ترك السنة.

قلت: في هذا النظر نظر، لأن قائله قد ناقض في قوله حيث قال، فيما مر عن قريب: التأثيم إنما يحصل عن ترك واجب، فإذا لم يكن تارك السنة آثما فكيف يستحق التعزير؟ بل الظاهر أن ضربهما كان لترك الأمر الذي ظاهره الوجوب، ولاستحقاق الوعيد الشديد في الترك. انتهى

وصرح بما ذكر أنس بن مالك من إلزاق المنكب بالمنكب والكعب بالكعب النعمان بن بشير , وزاد: الركبة بالركبة , فقال: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ. ثَلاَثًا «وَاللَّهِ لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ. قَالَ فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَرُكْبَتَهُ بِرُكْبَةِ صَاحِبِهِ وَكَعْبَهُ بِكَعْبِهِ. أخرجه أبو داود (حديث رقم662) .

قال الألباني معقبًا على الحديثين السابقين كما في الصحيحة (1/ 72) :

وفي هذين الحديثين فوائد هامة:

الأولى: وجوب إقامة الصفوف وتسويتها والتراص فيها للأمر بذلك والأصل فيه الوجوب إلا لقرينة كما هو مقرر في الأصول والقرينة هنا تؤكد الوجوب وهو قوله: أو ليخالفنَّ الله بين قلوبكم. فإن مثل هذا التهديد لا يقال فيما ليس بواجب كما لا يخفى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت