فإنهما يفيدان أن على الإمام بعد إقامة الصلاة واجبا ينبغي عليه القيام به، و هو أمر الناس بالتسوية مذكرا لهم بها، فإنه مسؤول عنهم:"كلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته ...".انتهى
قال المباركفوري:"كل ذلك يدل دلالة واضحة على أن المراد بإقامة الصف وتسويته أنما هو اعتدال القائمين على سمت واحد وسد الخلل والفرج في الصف بإلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم، وعلى أن الصحابة في زمنه - صلى الله عليه وسلم - كانوا يفعلون ذلك، وأن العمل برص الصف والزاق القدم بالقدم وسد الخلل كان في الصدر الأول من الصحابة وتبعهم، ثم تهاون الناس به. قال شيخنا في إبكار المنن بعد ذكر قولي النعمان وأنس: فظهر أن إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف سنة، قد عمل بها الصحابة خلف النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو المراد بإقامة الصف وتسوية"انتهى [مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 4/ 5] .
وفي قول أَنَسٌ:"لَقَدْ رَأَيْت أَحَدَنَا يَلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ، وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ، وَلَوْ ذَهَبْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ لَتَرَى أَحَدَهُمْ كَأَنَّهُ بَغْلٌ شَمُوسٌ".
وهكذا حال أكثر الناس في هذا الزمان , فإنه لو فعل بهم ما كان يفعل أيام أنس , لنفروا وكأنهم حُمرٌ وحش!!
وهكذا السنة أصبحت عند البعض بدعة , فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ولهذا قال بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ الأَنْصَارِىِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَقِيلَ لَهُ مَا أَنْكَرْتَ قَالَ مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا (مِنَّا مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْتَ رَسُولَ اللَّهِ إِلاَّ أَنَّكُمْ لاَ تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ قَدِمَ عَلَيْنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْمَدِينَةَ بِهَذَا. أخرجه البخاري(حديث رقم724) .
ولعلّ هذا ما دفع البخاري إلى عقد"بَابُ إِثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصُّفُوفَ", قال الحافظ - رحمه الله تعالى -"قال بن رشيد أورد فيه حديث أنس ما أنكرت شيئا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف وتعقب بأن الإنكار قد يقع على ترك السنة فلا يدل ذلك على حصول الإثم وأجيب بأنه لعله حمل الأمر في قوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره على أن المراد بالأمر الشأن والحال لا مجرد الصيغة فيلزم منه أن من خالف شيئا من الحال التي كان عليها صلى الله عليه وسلم أن يأثم لما يدل عليه الوعيد المذكور في الآية وإنكار أنس ظاهر في أنهم خالفوا ما كانوا عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من إقامة الصفوف فعلى هذا تستلزم المخالفة التأثيم انتهى كلام بن رشيد ملخصا وهو ضعيف لأنه يفضي إلى أن لا يبقى شيء مسنون لأن التأثيم إنما يحصل عن ترك واجب وأما قول بن بطال إن تسوية"