ومن هنا فضل بعض أهل العلم الفقير الصبور، حتى قال بعضهم: عن الأعمش: ثكلت الأعمش إن قارنته بالزهري، الأعمش فقير صبور، و الزهري يدخل على ملوك بني أمية [1] ، هذا هو منظار أئمة الدين، أما منظار أصحاب المنهج القاروني: فالغني عندهم سواء كان شكورًا أو كفورًا هو المقدم، وهذا منبعث عن الهوى و الجهل وحب الدنيا، وليس منبعثا عن العدل والإنصاف و الزهد.
والصبر على الفقر أشد من الصبر على إخراج المال؛ الغني ممكن أن يتحرى ويحتسب الأجر ويخرج الصدقة بغير مشقة عليه، لكن الفقير: قد لا يستطيع إكرام ضيفه وهذا يؤلمه، ويجد من الألم على ما لا يصل به أرحامه وأسرته؛ وهذا يؤلمه، ويجد من الألم على عدم كفاية أهله وأولاده، ويجد من الألم مما يجعله مكبلًا؛ لا يستطيع الحج والعمرة، ولا يتحرك يمينًا ولا يسارًا في بعض أموه ومهامه, ويجد من الألم من تحقير أصحاب الدنيا والذين لا يعبئون بشأن الفقراء ولو كانوا صالحين، وآلام كثيرة قد تحصل في نفسه وهو صابر عليها، ومعتز بعزة الله التي أعطاه الله وأكرمه الله بها.
وقد قال النبي ? لعائشة: «أجرك على قدر نصبك» [2] .
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما أن النبي ? قال: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم؛ حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» [3] .
فمن هذا الجانب يفضل الفقير الصبور الزاهد عما في أيدي الناس، على الغني الشكور.
(1) قاله ابن معين كما في ترجمة الأعمش من التهذيب وفي تاريخ دمشق (20/59) ونص كلام ابن معين: قال: أجود الأسانيد الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، فقال له إنسان: الأعمش مثل الزهري؟ فقال: برئت من الأعمش أن يكون مثل الزهري؛ الزهري يرى العرض والإجازة، ويعمل لبني أمية، والأعمش: فقير صبور مجانب للسلطان.
(2) أخرجه البخاري (1787) ومسلم (1211) .
(3) أخرجه البخاري (5641) مسلم (2573) .