وثبت عن عمر رضي الله عنه أنه قال: دخلت على رسول الله ? وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وإن عند رجليه قرظًا مصبوبًا، وعند رأسه أهب معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت، فقال: «ما يبكيك؟» فقلت: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله، - فقام رسو ل الله ? مبينا لهذا القول - فقال: «أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة» » [1] وهذا من الأدلة على فضل الفقر.
وقال الله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب:28-29] الله قد أعد لهن الأجر العظيم على صبرهن على الفقر، وخيرهن رسول الله ? ولم يقل أعطهن، بل خيرهن وبقين على الصبر على ذلك الحال.
وبعض المنافقين وبعض المشركين يمتلك من المال والبيوت ما يسعه ويسع أهله وغيرهم، ورسول الله ? كانت له مشربة إذا مد رجله وصلت إلى طرفها الآخر، حتى أنه كان يصلي وعائشة معترضة أمامه فإذا سجد غمزها لتكف رجلها عن موضع سجوده [2] .
فما اختار الله لنبيه هذا الشأن إلا لفضله، هذا من الأدلة على فضل الفقر لمن كان صابرًا عليه، راضيا، طائعا، صالحا، عابدا، زاهدا؛ هذا في حقه فضيلة عظيمة، ورب العالمين يجبر المنكسرين، فقد ثبت أن النبي ? أمر عمر أن يطلب الدعاء من أويس القرني الفقير المسكين [3] ،
(1) قطعة من حديث طويل أخرجه البخاري (4913) ومسلم (1479) .
(2) إشارة إلى حديث عائشة أخرجه البخاري (382) ومسلم (512) .
(3) إشارة إلى حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أخرجه مسلم (2542) .