وقد كان من المنتظر من سافاري بعد هذا القول أن يتورع ويبرأ مما وقع فيه مراتشي من التحيز والتحامل وأن يفي بما نوه به في مقدمته من أن قيمة المترجم تتوقف على نقله الأصل بصورة صادقة أمينة، وأن يحافظ على روعة الأسلوب والعرض الذي سار عليه الأصل، وأن يعرض وقائع حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - عرضا مطابقا للحقيقة والواقع . إلا أنه في الحقيقة -وإن كان قد اعتنى بالأسلوب فوق من سبقوه- فانه لم يسلم من عقدتهم ولوازمهم التي لا تفارقهم في ترجمة معاني القرآن والكلام على رسول الإسلام .
1-فابتداء من المقدمة نجد المترجم يصرح باعتبار القرآن من تأليف محمد أو ماهوميه (MAHOMET) ، كما يصر على تسميته هو وكثير غيره من المستشرقين، ويلح على ذلك في تعليقاته على الترجمة، ويأتي بعبارات تتهمه صراحة بالخداع والاحتيال والانتحال . ومن ذلك قوله:"إن محمدا أعطى القرآن للعرب بوصفه الرئيس الأعلى للدين وصاحب السلطان . وإنه هو المشرع ينطق السماء كلما وجد حاجة لذلك، وإن النظرة الواعية إليه تظهر أنه مجرد إنسان اعتمد على عبقريته وحدها؛ لكي يحارب عبادة الأصنام وأن أتباعه المغالين في التعصب ينسبون إليه زورًا معجزات صبيانية، ومنهم أبوبكر الذي كان يقدس سيده تقديس عبدة الأصنام، فعدَّ كل ما جاء به وعلمه وحيًا من الله ."
2-وتبعا لذلك يدعي وجود خلط والتباس في القرآن وأنه أبعد ما يكون عن أن يعد وحيًا إلهيًا. ويرجع وجود الاضطراب فيه إلى الفرية التي يصر عليها عامة المستشرقين من عدم ترتيب السور والآيات بحسب تاريخ النزول وأن الرقاع التي كتب عليها كانت محفوظة مختلطا بعضها ببعض، فجمعه أبو بكر منها بدون رعاية نظام وتمييز للسابق من اللاحق مع أن ما فيه من أحكام صدر في أزمنة مختلفة يلغي المتأخر منها المتقدم غالبًا.