يصف المؤرخ النصراني ريموند فون اكفيلرس المذبحة التي قامت بها جحافل الدوق ريموند في القدس قائلًا: (دخلنا معبد سليمان حيث كان أولئك يؤدون صلاتهم. وما حدث هناك لا يمكن أن يصدق! ويكفي أن أقول إن خيولنا كانت تغوص إلى الركب في الدماء، في المسجد وفي فنائه. لقد كان من العدل الإلهي أن تسقى الأرض المقدسة بدم أولئك الذين طالما دنسوها) (1) . ولنقارن ذلك بتسامح صلاح الدين الأيوبي وعدله وكرمه عندما دخل القدس محررًا منتصرًا.
يعترف غوستاف لوبون بذلك قائلًا: (كان يمكن أن تعمي فتوح العرب الأولى أبصارهم، وأن يقترفوا من المظالم ما يقترفه الفاتحون عادة، وأن يسيئوا معاملة المغلوبين ويكرهوهم على اعتناق دينهم الذي كانوا يرغبون في نشره في العالم .. ولكن العرب اجتنبوا ذلك. فقد أدرك الخلفاء السابقون-الذين كان لديهم من العبقرية السياسية ما ندر وجوده في دعاة الديانات الأخرى-أن النظم والديانات لا تفرض قسرًا) (2) .
لقد حدد الإسلام مفهومًا حضاريًا للتسامح وربى عليه أبناءه وشهد بذلك تاريخ حضارته.. مفهومًا أكثر مدنية وتقدمًا من تعريف وزير الداخلية الاتحادي في ألمانيا للتسامح: (التسامح هو الاستعداد النفسي لعدم قهر دين أو معتقد بالعنف. ويجب أن يكون لدى المسلمين الاستعداد لتقبل من يقول لهم: إن العقيدة الإسلامية هي ضلال، وأن يتقبلوا ذلك دون ردة فعل عنيفة من جانبهم) (3) .
ما أفقر حضارة اليوم إذا لم تصل بعد مرور هذه القرون الطويلة إلا إلى هذا المستوى من التسامح، بل ما أفقر الحضارة البشرية اليوم إلى التبادل الفكري والتواصل الإنساني لتصل إلى أفضل من ذلك!!.
(1) من كتاب الحروب الصليبية لـ: بيتر ملجر ص116 Peter Milger, Die Kreuzzuge
(2) "حضارة العرب"G. Le Bon.
(3) تصريح لوزير الداخلية الاتحادي (Otto Schily) في مؤتمر للحزب الاشتراكي (SPD) في مدينة دساو في 23/2/2002م.