ولقد بعث الله نبيه رحمة من عنده للعباد: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } (الأنبياء:107) . وأدبه فأحسن تأديبه، وميزه بأكرم الأخلاق { وإنك لعلى خلق عظيم } (القلم:4) وكان من أكرم أخلاقه صلى الله عليه وسلم الرحمة والرأفة: { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك } (آل عمران:159) فكان سلوكه رحمة، وسنته رحمة، وتشريعه رحمة: { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم } (التوبة:128) .
ويكفي أن ينظر أحد المكابرين في ترجمة معاني القرآن الكريم ليجد كل سورة افتتحت -ما عدا براءة- بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) ، وأي افتتاح وتصدير أكثر دلالة على محتوى القرآن الكريم من استهلاله بالرحمة المطلقة من رب العالمين؟ وإضافة إلى ذلك سيجدون (الرحمن) اسمًا لله عز وجل وصفة له سبحانه وتعالى متكررة 57 مرة فيما بين أيديهم من ترجمات، وكذلك (الرحيم) اسمًا له وصفة في 114 موضع. ولينظروا إلى"الرؤوف"و"الودود"و"اللطيف"و"البر"و"العفو"و"الغفور"و"الرزاق"و"الحفيظ"، بل فلينظروا إلى كل اسم من أسمائه الحسنى وكل صفة من صفاته العليا فسيجدون فيها رحمة من الله عز وجل. يؤمن بأسمائه المؤمنون ويدعونه بها تضرعًا وخيفة ويسعون للتخلق بهدي صفاته والاتسام بها. { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى } (الإسراء:110) . وما جعل الله من رحمة يتراحم بها الخلائق إنما هي جزء من رحمته التي وسعت كل شيء. يصف ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: (جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا. فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه(1) .
(1) متفق عليه