ونحن حين نقول هذا ندرك أن كثيرًا من المسلمين من غير العرب تعلموا اللغة العربية من أجل فهم القرآن وإدراك معانيه وحكمه وأسراره ؛ لأنهم اعتقدوا أنه لا يمكن الوصول إلى فهم القرآن إلا بلغته الأصلية، ومع ذلك فقد فاق كثير منهم أهل العربية فالفضل لله يؤتيه من يشاء وهو العليم الحكيم.
المبحث الثامن: مفهوم نقل معاني القرآن إلى لغة أخرى
إن نقل معاني القرآن الكريم إلى لغة أخرى يعدّ ترجمة لهذه المعاني، فالنقل من لغة إلى لغة يعدُّ ترجمة للمنقول إلى لغة أخرى، قال ابن الأثير:
"التّرْجُمان - بالضم والفتح - هو الذي يترجم الكلام، أي: ينقله من لغة إلى أخرى، والجمع التراجم، والتاء والنون زائدتان" (1) .
والمعاني إما أن يقوم بها المترجم أو الناقل حيث يترجم المعاني مباشرة إلى اللغة الأخرى، وهذا فيه من الإشكالات ما فيه، حيث يندر أن يوجد متخصص في التفسير تتوافر فيه الشروط المعتبرة في المفسر، ويجيد اللغة أو اللغات الأخرى، ولذا نلحظ أن كثيرًا من الترجمات الموجودة اليوم يكثر فيها الغلط والقول على الله بغير علم .
وإما أن يقوم بالمعاني متخصص في التفسير أو لجنة من المتخصصين فيه تفسره باللغة العربية وفق الضوابط والشروط المعتبرة عند أهل التفسير، ثم يقوم المترجم بترجمة هذا التفسير أو هذه المعاني للقرآن الكريم، وهذا لا إشكال فيه، وقد سبق توضيحه في حكم الترجمة التفسيرية .
وهنا أود أن أؤكد أن هناك فرقًا بين الترجمة والتفسير:
فالترجمة: إبدال لفظة بلفظة تقوم مقامها في لغة أخرى .
والتفسير: بيان اللفظة بلفظة أخرى في اللغة نفسها.
وقد أشار إلى هذا الفارق القفَّال وغيره فيما نقله عنهم الزركشي في البحر المحيط حيث قال:
(1) النهاية في غريب الحديث والأثر 1: 186، وانظر: المبحث الأول في معنى الترجمة في اللغة والاصطلاح .