الصفحة 23 من 31

ومما يدل على جواز الترجمة التفسيرية من كلام العلماء ما أجاب به الزمخشري عن السبب في عدم إنزال القرآن بجميع الألسنة حيث قال: (( لا يخلو إما أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها، فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة ؛ لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفي التطويل، فبقي أن ينزل بلسان واحد فكان أولى الألسنة لسان قوم الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم أقرب إليه، فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر، قامت التراجم ببيانه وتفهيمه، كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم في كل أمة من أمم العجم، مع ما في ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة، والأقطار المتنازحة، والأمم المختلفة، والأجيال المتفاوتة، على كتاب واحد واجتهادهم في تعلم لفظه وتعلم معانيه، وما يتشعب من ذلك من جلائل الفوائد..."ثم قال:"ولأنه لو نزل بألسنة الثقلين كلها - مع اختلافها وكثرتها، وكان مستقلًا بصفة الإعجاز في كل واحد منها، وكلّم الرسول العربي كل أمة بلسانها كما كلّم أمته التي هو منها يتلوه عليهم معجزًا - لكان ذلك أمرًا قريبًا من الإلجاء"(1) ."

وقد علّق على قوله الزرقاني في مناهل العرفان قائلًا:

"وقوله:"قامت التراجم ببيانه وتفهيمه"يشعر بأن مراده تفاسير القرآن بلغات أجنبية، لا ترجمات القرآن نفسه بالمعنى العرفي، وذلك لأن التفسير هو الذي يبيّن القرآن ويفهمه" (2) .

وقال الشاطبي في الموافقات:"فأما على الوجه الأول - يعني التي يشترك فيها جميع الألسنة - فهو ممكن، ومن جهته صح تفسير القرآن وبيان معناه للعامة، ومن ليس له فهم يقوى على تحصيل معانيه، وكان جائزًا باتفاق أهل الإسلام فصار هذا الاتفاق حجة في صحة الترجمة على المعنى الأصلي" (3) .

(1) الكشاف 3: 362 .

(2) مناهل العرفان 2: 143 .

(3) الموافقات 2: 52 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت