الصفحة 19 من 31

وقد علّق الشيخ محمد رشيد رضا على ما ذكره ابن قدامة عن أبي حنيفة وشدّد على الداعين إلى ترجمة القرآن الكريم ووصفهم بالمرتدين قائلًا: (( نقل الحنفية عن أبي حنيفة أنه رجع عن هذا القول، ولم يعمل به أحد من مقلديه ولا من غيره، فاستمر الإجماع العملي على قراءة جميع المسلمين القرآن في الصلاة وغيرها بالعربية كأذكارها وسائر الأذكار والأدعية المأثورة على كثرة الأعاجم، حتى قام بعض المرتدين من أعاجم هذا العصر يدعون إلى ترجمة القرآن وغيره من الأذكار والتعبد بالترجمة، وإنما مرادهم التوسل بذلك إلى تسهيل الردة على قومهم، ونبذ القرآن المنزل من عند الله وراء ظهورهم، وهو إنما نزل باللسان العربي كما هو مصرح به في الآيات المتعددة. وإنما كان تبليغه والدعوة إلى الإسلام به والإنذار به كما أنزله الله تعالى. لم يترجمه النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أذِن بترجمته، ولم يفعل ذلك الصحابة ولا خلفاء المسلمين وملوكهم، ولو كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - كتبه إلى قيصر وكسرى والمقوقس بلغاتهم لصح التعليل الذي علل به ذلك القول الشاذ الذي قيل: إن أبا حنيفة قاله وعلّل به، وأصرح ما يراه من الآيات قوله تعالى: { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } (الشعراء: 193-195) .

وقد بيّن الإمام الشافعي في رسالته الشهيرة في الأصول: أن الله تعالى فرض على جميع الأمم تعلم اللسان العربي بالتبع لمخاطبتهم بالقرآن والتعبد به، ولم ينكر ذلك عليه أحد من علماء الإسلام؛ لأنه أمرٌ مجمع عليه وإن أهمله الأعاجم بعد ضعف الدين والعلم )) (1) .

(1) حاشية المغني 1: 486.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت