وهذا -كما هو معلوم- غير متوافر في اللغات، فكل لغة لها أسلوبها وطرائقها المنفردة بها عن غيرها .
ثانيًا: حكم الترجمة اللفظية:
وهي ترجمة اللفظ نفسه مع مراعاة قواعد اللغة المترجم إليها وضوابطها في الترتيب والنظم، وهي قريبة من الترجمة الحرفية سوى الترتيب والنظم، لذا فإن ما سبق ذكره من الأدلة والاعتبارات في عدم جواز الترجمة الحرفية ينطبق على الترجمة اللفظية، وأضيف هنا بعضًا من كلام العلماء في حكمها:
فقد قال ابن قتيبة في (( تأويل مشكل القرآن ) ):
"وللعرب المجازات في الكلام، ومعناها: طرق القول ومآخذه، ففيها: الاستعارة، والتمثيل، والقلب، والتقديم، والتأخير، والحذف، والتكرار، والإخفاء، والإظهار، والتعريض، والإفصاح، والكناية، والإيضاح، ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع، والجميع خطاب الواحد، والواحد والجميع خطاب الاثنين، والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم، وبلفظ العموم لمعنى الخصوص". ثم قال:"وبكل هذه المذاهب نزل القرآن، ولذلك لا يقدر أحدٌ من الترجمات - أي المترجمين - على أن ينقله إلى شيء من الألسنة، كما نُقل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية، وتُرجمت التوراة والزبور، وسائر كتب الله تعالى بالعربية ؛ لأن العجم لم تتسع في المجاز اتساع العرب".
ألا ترى أنك لو أردت أن تنقل قوله تعالى: { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ } (الأنفال:58) لم تستطع أن تأتي بهذه الألفاظ مؤدية عن المعنى الذي أُودِعَته حتى تبسط مجموعها، وتصل مقطوعها، وتُظهر مستورها، فتقول: إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد فخِفت منهم خيانةً ونقضًا، فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطتَ لهم، وآذنهم بالحرب لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على استواء )) (1) .
(1) تأويل مشكل القرآن ص20، 21 .