الصفحة 14 من 31

1-أن الترجمة الحرفية معناها أن يترجم نظم القرآن بلغة أخرى تحاكيه حذوًا بحذو، بحيث تحل مفردات الترجمة محل مفرداته، وأسلوبها محل أسلوبه، حتى تتحمل الترجمة ما يحمله نظم الأصل من المعاني المقيدة بطرقها البلاغية وأحكامها التشريعية، وهذا غير ممكن بالنسبة لكتاب الله العزيز؛ إذ من المعلوم أن القرآن الكريم في قمة العربية فصاحةً وبلاغة، وله من خواص التركيب، وأسرار الأساليب، ولطائف المعاني، وسائر آيات إعجازه، ما لا يستقل بأدائه لسان، وهذه لا يمكن نقلها إلى اللغات الأخرى اتفاقًا، فإن اللغات الراقية، وإن كان لها بلاغة، ولكن لكل لغة خواصها التي لا يمكن أن يشاركها فيها غيرها من اللغات، فلو ترجم القرآن ترجمة حرفية - وهذا محال - لضاعت خواص القرآن البلاغية، فمثلًا: لو أراد إنسان أن يترجم قوله تعالى: { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا } (الإسراء:29) ترجمة حرفية لأتى بكلام يدل على النهي عن ربط اليد في العنق، وعن مدها غاية المد، ومثل هذا التعبير في اللغة المترجم إليها لا يؤدي المعنى الذي قصده القرآن من أن المراد النهي عن التبذير والتقتير مصوَّرين بصورة شنيعة ينفر منها الإنسان (1) .

وأيضًا قوله تعالى: { بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ } (الأنبياء: 18) ، فقد ترجم (( بكتال ) )لفظة (( فيدمغه ) )بمعناها الأصلي وهو: فيشج رأسه (2) ، وهو غير مراد، بل المراد الغلبة والقهر .

وأيضًا قوله تعالى: { هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ } (البقرة:187) ، وقوله تعالى: { وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } (القلم:9) لو ترجمتا ترجمة حرفية لفسد المعنى تمامًا، ولأصبح ضربًا من الهذيان بالكلام .

(1) انظر: التفسير والمفسرون لمحمد حسين الذهبي 1: 26، 27 .

(2) أصل الدمغ شج الرأس حتى يبلغ الدماغ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت