عاد عز الدين إلى مدينة جبلة بعد تلك الرحلة الطويلة التي أفعمت فؤاده ثقافة وعلما وأترعت قلبه يقظة وفهما وغيرت نظرته إلى كثير من الأمور ورتقته على ما فيها من انحراف وكان أول ما أعاد فيه النظر حركة التصوف التي كان يقودها أبوه وجده في جبلة وقد كان بعض اتباع هذه الطريقة يفدون إلى جبلة كل عام مرة أو مرتين لزيارة خريجي أبيه وجده وللتبرك بهما وذبح الذبائح عند قبرهما فحال دونهم ودون تلك البدعة المستنكرة وسلك في ذلك سبيل اللين والموعظة الحسنة أحيانا وسبيل الحزم والقمع أحيانا أخرى.
ثم اخذ عز الدين يعيد للمسجد مكانته التي كانت له في عهود المسلمين الزاهرة فاتخذ من جامع"إبراهيم بن الأدهم"موئلا للناس ومنهلا. ففي رحابه تقام العبادات وتعقد الاجتماعات وتنظم الحركات وبين جدرانه تلقى المواعظ والمحاضرات وفي أفنيته يتلقى الطلاب علوم الدين والدنيا.
ثم استأذن ولى الأمر في الأستانة فأذن له بإعداد فريق من المجاهدين يجمع إلى عزمات الشباب حكمة الشيوخ وذلك ليأمروا الناس بالمعروف وينهوهم عن المنكر وقد اخذوا على عاتقهم مكافحة المسكرات وتصدوا للقوافل التي تهرب المخدرات وتعقبوا الأشخاص الذين كانوا يتركون الصلاة عامدين وشهرّوا بهم بين الناس وحملوا بعضهم على توابيت الموتى وطافوا بهم في الشوارع.
وقد أحيا القسّام فريضة الجهاد في نفوس مواطنيه وحضهم على بذل النفس والنفيس ذودا عن الدين وجهادا في سبيل الله فما إن غزا الإيطاليون طرابلس الغرب حتى هب يجمع الأموال لدعم المجاهدين ويجند المتطوعين لمؤازرة الجيش العثماني في دفاعه عن قطر غال من أقطار المسلمين.
حربه ضد الفرنسيين ?