شَيْءٍ عَلِيمٌ [سورة الشورى، آية 12] . بسط العليم الحكيم الرزق لبعض العباد، وضيَّقه على بعضهم، ليعتبروا بهذا التفاوت في الدنيا تفاوت ما بينهم في درجات الآخرة، فكما أن الناس في هذه الدنيا متفاوتون، فمنهم من يسكن القصور المشيدة العالية، ويركب المراكب الفخمة الغالية، ويتقلب في ماله وأهله وبنيه في سرور وحبور، ومنهم من لا مأوى له ولا أهل ولا مال ولا بنون، ومنهم ما بين ذلك على درجات مختلفة، فإن التفاوت في درجات الآخرة أعظم وأكبر وأجل وأبقى: {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} [سورة الإسراء، الآية 21] . فإذا كانت الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلًا فإنه ينبغي أن نتسابق إلى درجاتها العالية وحياتها الباقية ذلك خير وأحسن تأويلًا، قسم الله الرزق بين عباده ليعرف الغني قدر نعمة الله عليه بالإيسار فيشكره عليها ويلتحق بالشاكرين، ويعرف الفقير ما ابتلاه الله به من الفقر فيصبر عليه وينال درجة الصابرين: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [سورة الزمر، الآية 10] ، وهو مع ذلك لا يزال يسأل ربه الميسرة وينتظر الفرج من رب العالمين، قسم الله الرزق بين عباده لتقوم مصالحهم الدينية والدنيوية، فلو بسط الرزق لجميع العباد لبغوا في الأرض بالكفر والطغيان والفساد، ولو ضيق الرزق على جميعهم لاختل نظامهم وتهاوت من معيشتهم الأركان، لو كان الناس في الرزق على درجة واحدة لم يتخذ بعضهم بعضًا سخريًا، لم يعمل أحدهم للأخر صنعة، ولم يحترف له بحرفة، لأن الكل في درجة واحدة، فليس أحدهم أولى