رابعًا: لا يشترط استقرار الداخل إلى الجوف، بل يكفي دخوله إليه، فيفطر بذلك، ولو خرج بعد ذلك [1] .
إلا أن الحنفية يشترطون ذلك، ويرون أنه لا بد أن يستقر الداخل في الجوف، فلو خرج ولم يستقر لم يحصل الفطر به.
قال في البدائع [2] :
"ولو طعن برمح فوصل إلى جوفه أو إلى دماغه: فإن أخرجه مع النصل لم يفسد، وإن بقي النصل فيه يفسد."
وكذا قالوا: فيمن ابتلع لحما مربوطا على خيط ثم انتزعه من ساعته: إنه لا يفسد، وإن تركه فسد ...
وهذا يدل على أن استقرار الداخل في الجوف شرط فساد الصوم"."
واستدلوا على كون مناط الفطر هو هذا بما يلي:
1 -عن لقيط بن صبرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا ) ).
ووجه الاستدلال منه: أن النهي عن المبالغة دليل على الاحتراز من وصول شيء إلى الجوف، وإلا لم يكن للاسثتناء معنى [3] .
وظاهر هذا الاستدلال اعتبار عموم أي داخل، بأي طريق، مع أن الحديث اعتبر الماء فقط بطريق الأنف.
2 -إن مقصود الأكل والشرب هو منع الجسم من وصول الغذاء إليه، والغذاء إنما يكون غذاء بوصوله إلى المعدة، وهذا المعنى يناسب منع الصائم من الأكل والشرب حتى تضيق مجاري الشيطان في الدم، والأكل والشرب مناقض لذلك لما فيه من امتلاء المعدة وانشغالها بالطعام الواصل إليها.
وبناء على ذلك: فإن الصائم ممنوع من كل ما فيه حصول القوة لبدنه، وهذا معنى مناسب لمنعه من الأكل والشرب، ومن كل ما فيه انتفاع وقوام للبدن.
3 -كل ما يشبه الأكل والشرب من الوصول إلى الجوف فإنه يأخذ حكمه؛ احتياطًا للصوم، وحفظًا لصورة الإمساك.
قال في المغني [4] :
(1) انظر: العزيز شرح الوجيز (3/ 195) ؛ المغني (4/ 353) .
(3) انظر: بدائع الصنائع (2/ 92) ؛ المهذب (2/ 604) ؛ الممتع شرح المقنع (2/ 256) ؛ مجموع الفتاوى (25/ 235) .