وإن وصل عين الكحل إلى باطنه فذلك من قبل المسام لا من قبل المسالك؛ إذ ليس من العين إلى الحلق مسلك، فهو نظير الصائم يشرع في الماء فيجد برودة الماء في كبده, وذلك لا يضره.
وعلى هذا: إذا دهن الصائم شاربه ...
والإقطار في الأذن .. يفسد; لأنه يصل إلى الدماغ، والدماغ أحد الجوفين"."
وقال في شرح الوجيز [1] :
"في بطلان الصوم بالتقطير في الأذن -بحيث يصل إلى الباطن- فيه وجهان:"
أحدهما: .. أنه يبطل؛ كالسعوط.
والثاني: لا يبطل؛ لأنه لا منفذ من الأذن إلى الدماغ، وما يصلُ يصل من المسام؛ فأشبه الاكتحال"."
وقال في المغني [2] :
"فأما الكحل: فما وجد طعمه في حلقه، أو علم وصوله إليه فطره .."
ولنا: أنه أوصل إلى حلقه ما هو ممنوع من تناوله بفيه فأفطر به؛ كما لو أوصله من أنفه ..
وقولهم: ليست العين منفذًَا، لا يصح؛ فإنه يوجد طعمه في الحلق .. ، ثم لا يعتبر في الواصل أن يكون من منفذ؛ بدليل أنه لو جرح نفسه جائفة فإنه يفطر"."
ثم هذا المنفذ قد يكون طبيعيًا، وقد يكون طارئًا، ولا فرق بينهما في فساد الصوم بوصول شيء إلى الباطن عن طريقهما، إلا ما روي عن محمد وأبي يوسف أنهما يشترطان في المنفذ أن يكون خِلْقة في البدن.
قال في المبسوط [3] :
"فأما الجائفة والآمة إذا داواهما بدواء يابس لم يفطره, وإن داواهما بدواء رطب فسد صومه في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى."
ولم يفسد في قولهما.
والجائفة اسم لجراحة وصلت إلى الجوف، والآمة اسم لجراحة وصلت إلى الدماغ.
فهما يعتبران أن الوصول إلى الباطن من مسلك هو خلقة في البدن; لأن المفسد للصوم ما ينعدم به الإمساك المأمور به، وإنما يؤمر بالإمساك لأجل الصوم من مسلك هو خلقة، دون الجراحة العارضة.
وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول: المفسد للصوم وصول المفطر إلى باطنه؛ فالعبرة للواصل لا للمسلك، وقد تحقق الوصول هنا"."
(1) العزيز (3/ 194) .