ويتضح مما ذكر أن هذا المسلك ليس هو الدال على العلة، ولكنه مركب من الإجماع على التعليل في هذا الأصل، وانحصار العلل في ما ذكر، وبطلانها ما عدا واحدًا، فيكون هو العلة؛ لامتناع خلو المحل عن علة ظاهرة، وحتى لا ينسب أهل الإجماع إلى الاجتماع على باطل؛ فالإجماع دل على أصل التعليل مبهمًا، والسبر دل على عين العلة المبهمة [1] .
المطلب الثاني: ما هو مناط الفطر بالأكل والشرب؟
إنما كان الحديث هنا عن مناط الفطر بالأكل والشرب دون ما عداه من المفطرات المنصوص عليها؛ لأن الفطر إما أن يكون بشيء يدخل إلى الجسم، أو بشيء يخرج منه، فالأول هو الأكل والشرب، والثاني هو الحيض والنفاس والحجامة والقيء.
واللصقات الطبية هي من النوع الأول؛ لأنها مما يدخل إلى الجسم دواء له، وليست مما يخرج منه، ولهذا فلا يمكن إلحاقها إلا بالأكل والشرب، فكان الحديث عن مناط الفطر بهما للنظر هل يمكن إلحاق اللصقات الطبية بهما أم لا؟
وقد اختلف العلماء في مناط الأكل والشرب على ما يلي:
القول الأول: إن كل ما يسمى أكلا أو شربًا، قليلا أو كثيرًا يُفسد الصوم، ويُفطر به الصائم، وما عداه مما ليس بأكل ولا شرب؛ فلا يفسد به الصوم.
وبهذا قال الظاهرية [2] .
وظاهر قولهم عدم التفريق بين المغذي وغيره، فكل ما يصدق عليه اسم الأكل أو الشرب يحصل الفطر به، وإن كان غير مغذٍ، كمن أكل ترابًا أو حصاة.
وهذا مبني على أصلهم في الأخذ بظواهر النصوص، وعدم اعتبار التعليل والقياس.
القول الثاني: ما وصل إلى الجوف جاريًا في الحلق من خارجه إلى مستقر طعامه وشرابه، سواء كان مما يؤكل أم لا؛ كالحصاة والدرهم ونحوهما؛ يفطر به الصائم.
وبهذا قال الزيدية [3] .
(1) انظر: البرهان (2/ 535 - 536، ف 774 - 775) ؛ البحر الميحط (5/ 225 - 227) .
(2) انظر: المحلى (6/ 175، 177، 203، 214) .
(3) انظر: البحر الزخار (3/ 251) ؛ التاج المذهب لأحكام المذهب (1/ 247) .