اتجاه الصفاتية ، وأولهم جيل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين على النهج النبوي الرشيد . ثم من جاء بعدهم من الذين يثبتون الصفات ويشرحونها بضرب من المجاز القريب ، ثم غلاة التجسيم والتشبيه ، ثم الأشعرية الذين نهجوا نهج السنة ، ولكنهم استعانوا في إثبات العقائد بعلم الكلام ، والجبرية الذين لا يثبتون للعبد فعلًا ولا قدرة ، أو يثبتون له قدرة غير مؤثرة .
اتجاه المعطلة بجميع مللهم ونحلهم المتأثرة بالفكر الاعتزالي المغرق في الاعتداد بالعقل وجعله فوق النص .
كان أهم حدث في هذه المسيرة العقدية هو ظهور علم الكلام المبني على المنطق الصوري ، والذي استحدثه علماء المسلمين لإثبات العقائد الدينية على الغير بواسطة إيراد الحجج ودفع الشبهات ، وقمع فتن الفلسفات الوافدة . وقد ساهم هذا العلم في حينه ، مساهمة حقيقية في المحافظة على نقاء العقيدة وصفائها ، ورد كيد الكائدين في نحورهم . إلا أن نجم هذا العلم قد أفل في العصر الحديث ، بظهور مناهج في التفكير أقوى وأكثر اتزانًا ومصداقية من منهج المنطق الصوري الذي بني عليه علم الكلام ، وبالانفجار المعاصر الهائل في ميدان الاختراعات والاكتشافات والعلوم المادية ، بانفتاح آفاق الآيات الكونية على مصراعيها ، والثورة المعلوماتية والاتصالاتية ، وظهور مناهج للبحث والاستقراء والتجريب والمحاجة مبنية على مبادئ العلم ، رياضيات وفيزياء وهندسة ؛ مما غير استراتيجية التعامل في ميدان العقائد ، وجعل الكرة الأرضية قرية واحدة يحاول كل فرد فيها معرفة جاره عقيدة وسلوكًا وأعرافًا . وهذا يلقي على عاتق علماء المسلمين مسؤولية استحداث علم جديد للإقناع والاقتناع ، مبني على أحدث طرق الاستدلال وأكثرها دقة . والاستفادة من الآيات الكونية التي فتح الله آفاقها للناس ، وبين الحكمة من ذلك بقوله: { سَنُرِيْهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيْدٍ } فصلت 53 .
ذلك أنه بالتجربة المشاهدة حاليًا ، كلما اتسع أفق العلم والاكتشاف ازدادت قوة الحجة في القرآن الكريم ، وانفسحت بالتقدم العلمي أسراره المعجزة ، واتضح مدى ارتباطه بخالق الكون ، وانكشف في الوقت نفسه ، زيف ما سواه من الأديان ، وانبناؤها على الخرافة والشعوذة والأوهام .
بل إن العلم الحديث ، الذي يسير دفته حاليا غير المسلمين ، يساهم عمليا في شرح بعض آيات القرآن الكونية ، وتفسير بعض ما عجز المؤمنون به عن فهمه منها ، وحسبنا من ذلك مثلا قوله تعالى عن توجيهات إبليس لعنه الله للبشر { وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًَّا مِنْ دُوْنِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًَا مُبِيْنًا } النساء 119 .
فقد فسرتها حاليًا مكتشفات العلماء غير المسلمين في ميدان علم الأجنة والوراثة والاستنساخ . ثم لما عارضهم المجتمع الإنساني لأسباب أخلاقية ، أجابوا بأنهم يأملون أن ينفعوا البشرية بهذا الاكتشاف