الصفحة 68 من 149

توحيد الأسماء والصفات ، وهو الإيمان بأن الله تعالى ليس كمثله شئ ، وأنه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه صلى الله عليه وسلم ، وطريق معرفة ذلك الوحي قرآنا وسنة صحيحة .

ونهجهم في توحيد الصفات أن يسردوا العقائد للأمة سردًا ، مع ذكر أدلتها من الكتاب والسنة . دون أن يغوصوا في تأويلها أو تشبيهها ، أو ينزلقوا إلى مختلف التصورات الضالة التي سقطت فيها مختلف الفرق . فعقيدتهم بذلك حق بين باطل المشبهة والمجسمة والحشوية ، وبين باطل المعطلة الذين يعتبرون تصرفات الله تعالى غير حقيقية بغلو من التأويل الضال .

على هذا النهج كان الأئمة الأربعة - رضي الله عنهم - ، أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد . ولئن حاول بعض المتأخرين نسبة أبي حنيفة إلى المرجئة لقوله بأن الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان ، ظنًا منهم أنه يؤخر العمل على الإيمان ، فإن ذلك منهم شطحات هوى وتعصب ظالم . لأن الرجل - أبا حنيفة - قاد عصره إلى العمل بالكتاب والسنة ، وسجن من أجل ذلك ، فكيف يفتي بترك العمل الذي يقول به المرجئة .

هذا هو نهج الإسلام في موضوع العقيدة . إلا أن مرض التصنيف الطائفي ، والتفريق وانتحال الألقاب ، جعل البعض يطلقون عليهم"أهل السنة"و"أهل السنة والجماعة"، و"السلفيين"، ويقبلون هم أيضا بهذه الألقاب ويطلقونها على أنفسهم . في حين أن الاسم الحقيقي في القرآن والسنة هو:"المسلمون". قال تعالى: { إِنَّ اللهَ اِصْطَفَى لَكُمُ الدِّيْنَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } البقرة 132 وقال - صلى الله عليه وسلم -:"ادعوا المسلمين بأسمائهم ، بما أسماهم الله عز وجل: المسلمين ، المؤمنين ، عباد الله عز وجل".

ثم بعد الغزو الفلسفي اليوناني والفارسي والهندي لأمة الإسلام ، كثر الجدل والتمنطق والسفسطة في موضوع الأسماء والصفات وغيره من قضايا التوحيد . فاضطر بعض الفقهاء إلى مجاراة التيار وتوظيفه ضد نفسه ، حفاظًا على العقيدة . بتأويل الصفات الموهمة بالتشبيه بضرب من المجاز المعنوي القريب . ولكن هذه الخطوة فتحت هوة عميقة يصعب ردمها ، هي هوة التأويل المغالي المتأثر بالفلسفة والتفكير الاعتزالي المغرق في التعطيل . فكان رد الفعل العفوي ، ظهور نزعة رفضت التأويل مطلقًا . ولم تلتزم بنهج الصحابة ، فغالت في إثبات الصفات إلى حد إجرائها على ظاهرها ، متأثرين بالتفكير اليهودي الذي يقول بالتشبيه الصرف . وأصحاب هذه النزعة هم طائفة المشبهة والمجسمة والحشوية . وقد حاول المماليك نسبة ابن تيمية إليهم لأسباب سياسية لا يتسع المقام لذكرها .

هكذا انقسم تيار العقيدة إلى اتجاهين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت