الصفحة 65 من 149

أهم القضايا التي تثيرها التحفة

كتب الطرسوسي تحفته ، وهو في ريعان الشباب ، قبل أن يعتبط بخمس سنوات ، مليئًا بالحيوية والميل الفطري إلى الحق والعدل ، متأثرًا بالبيئة العلمية التي احتضنته وربته ووجهته ، كاشفا من خلالها واقع ذوي الجاه والسلطة من جهة ، وما تعانيه الأمة من ظلم وعسف وتسلط وفساد من جهة أخرى ؛ فكان ما كتب لحنًا نشازًا بين سلوكيات عصره ، وكانت توجيهاته الفقهية والسياسية والإدارية والعسكرية التي تضمنتها التحفة احتجاجًا ضد تعفن الأجهزة الحاكمة ، وتحللها من ضوابط العقل والدين . إلا أنه احتجاج لم يرقَ إلى مستوى التمرد والثورة أو الدعوة إليها ، لأسباب عدة ، منها ما هو راجع إلى طبيعة الثقافة الفقهية السائدة التي غذي بها مبكرًا ، ومنها ما هو راجع إلى يقينه بأن موجة الفساد أكبر منه ، وأن الجهود الفردية لا تجدي .ومنها ما هو راجع إلى اتعاظه بما عاناه بعض علماء عصره عامة ، وعلماء أسرته خاصة .

لذلك يلحظ المرء في كتابته نوعًا من الازدواجية ، فهو عندما يتحدث عن وجوب طاعة الحكام وعدم اشتراط القرشية والعدالة والاجتهاد فيهم ، يصرح بأن عصره خالٍٍ تمامًا من الحاكم العادل الكفء التقي ، ويشعر قارئه بأن عبارات مجاملته للحكام لا تكاد تتجاوز تراقيه ؛ وعندما يتحدث عن الظلم والفساد فإنما برنة تزخر بالصدق والاستنكار والتوجيه المباشر إلى التغيير والإصلاح .

ولقد أثار في تحفته قضايا كثيرة ، عقدية و سياسية ، واجتماعية واقتصادية وعسكرية ؛ درس كل ذلك ووجه إلى ما ينبغي أن يكون عليه السلوك القويم المبني على قواعد الإسلام .

وسواءٌ وافقنا على اجتهاداته وآرائه أم لم نوافق ، فلا بد أن نسجل أنه في كل ما كتب كان صادقًا مخلصًا ، محاولًا شق طريق إلى الإصلاح ، بمختلف ضروب الاستنباط الفقهي والحيل الشرعية المبنية على قواعد الاستنباط الأصولية .

وبذلك كان منهج توجيهاته يتأرجح بين فقه العزائم من جهة ، وبين فقه الرخص من جهة أخرى ؛ وبين فقه الأدلة الأصلية كتابًا وسنةً وإجماعًا وقياسًا ، وبين فقه الأمارات استحسانًا واستصحابًا وسدًا للذرائع ... وهذا المنهج في الاستدلال متسع متشعب ، مذاهب الخلاف فيه مشرعة .لذلك وجد فيه صاحبنا مجالًا واسعًا للانتقاء ، ولنقد المذاهب المخالفة لمذهبه الحنفي .

ففي المجال السياسي المتعلق بشرعية الحاكم ، كان شعاره العمل بالرخص وسد الذرائع إلى الفتنة ، وارتكاب الضرر الأخف دفعًا للضرر الأقوى ، والحفاظ على تماسك الوضع الداخلي لدفع العدو الخارجي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت