الصفحة 64 من 149

والاجتهادات الفقهية المذهبية بعقلية انتقائية ، ترجح المذهب الحنفي على غيره ؛ متغافلًا عن حقيقة هو أكبر من أن تخفى عليه ، هي أن لكل مذهب مطعنًا ، ولكل مذهب مآخذ على غيره ، وأن للمجتهد أجرين إِن أصاب ، وأجرًا واحدًا إن أَخطأ . وقد ساعد المؤلف على أَسلوبه الانتقائي هذا سعة فقهه وتبحره في علم الخلاف ، واطلاعه على دقائق المذاهب كلها .

ثالثًا: تلقينه الحكام من خلال عرض المكاسب الموعودة ، كثيرًا من القواعد العملية المنضبطة بأحكام المذهب الحنفي ، في ميدان سياسة الحكم العادلة بما يقيد تصرفاتهم - إن هم امتثلوا - ويجعلها تحت رقابة الشرع وضابطيته ، ويوفر للرعية مستوىً معقولًا من الحفظ لأنفسها وكرامتها وحقوقها .

هذه الحقائق تبدو واضحة لمن يدرس"التحفة"بتأن وروية ، وخلفية سياسية بعيدة الغور ، بالرغم مما يحجبها من ملامح تعصب مذهبي فرضته طبيعة العصر والمرحلة ، ولوازم الخطة التي تبناها المؤلف لإصلاح أولي الأَمر واستدراجهم إلى الكمين الفقهي الذي نصبه لهم . وهذا أقصى ما كان يطيقه فقيه أَعزل ، يغار على أمته ودينه ، في عصر تؤدي فيه الشبهة ، وأحيانا المزاجية ، إلى مختلف ضروب التعذيب الهمجي والقتل الوحشي .

رابعًا: حرص على أن تكون"التحفة"بأسلوب يليق بكرامة العلماء ، مترفعة عن التزلف والتملق والتذلل ، فلم يقدمها قربة لسلطان ، ولم يكتبها"بأمر من تجب طاعته"كما هو عرف لدى كثير من كتاب الأَحكام السلطانية . وإنما كتبها قيامًا بواجب النصح كما قال في المقدمة: ( ورأيت من الواجب في هذا الزمان بذل النصيحة بقدر الإمكان ) ؛ وأشار في نفس المقدمة إلى أن بقاء الملك مرتبط باتباع الشرع والخضوع لأحكامه: ( ولم أقصد بذلك سوى القيام بهذا الواجب ، وحفظ نظام الملك لمن هو في اتباع الشرع راغب ) . وقد قام بهذا الواجب لهدفين ذكرهما في المقدمة أيضًا ، أولهما: ( رجاء أن تلحق ملوكنا بالخلفاء الراشدين والأئمة المهديين ، أو بما هو أعلى وأغلى من الأَمويين ، اتباع سيرة عمر بن عبد العزيز ذي العز والتمكين ) . وثانيهما: خشية أن ينسى طريق العدل في موضوع الحكم: ( وقد يخشى أن ينسى هذا الطريق بعدم من يعظ الناس ممن أعطي خطاب التوفيق) .

وكان أسلوبه في رسالته هذه كلها مستعليًا على الحكام ، يخاطبهم من فوق رؤوسهم ، ويشعرهم في كل آنٍ بأن مرتبة العلم ومكانة العلماء لا يدانيها عز الملوك والسلاطين .

ولقد تحقق ما كان يرمي إليه المؤلف بعد وفاته بقليل ؛ فقامت أول خلافة إِسلامية غير عربية ، هي مملكة آل عثمان التركية (71) التي التزمت المذهب الحنفي . فهل تحقق ما كان يصبو إِليه من وراء ذلك . .؟ إن هذا موضوع آخر يحتاج إلى دراسة خاصة عميقة ومستقلة ، وفي غير هذا السياق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت