الصفحة 63 من 149

كما أورد ابن كثير في البداية والنهاية (14/317) كيف كان المماليك يوفقون بين الفقهاء إِذا اقتضت مصلحتهم ذلك ، في جلسة إصلاح حضرها ابن كثير نفسه ، وقال عنها: ( . . فاجتمعت مع نائب السلطنة بالقاعة في صدر إيوان دار السعادة ، وجلس نائب السلطنة في صدر المكان ، وجلسنا حوله ، فكان أول ما قال"كنا نحنا الترك وغيرنا إِذا اختلفنا واختصمنا نجيء بالعلماء فيصلحون بيننا ، فصرنا نحن إِذا اختلف العلماء واختصموا فمن يصلح بينهم"؟ وشرع في تأنيب من شنع على الشافعي بما تقدم ذكره من تلك الأقوال والأفاعيل التي كتبت في تلك الأوراق وغيرها ، وأن هذا يشفي الأَعداء بنا ، وأشار بالصلح بين القضاة بعضهم من بعض ، وقال"أما سمعتم قول الله تعالى: { عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ } فلانت القلوب عند ذلك ) ."

لكل ذلك رأى نجم الدين الطرسوسي أن يحاول قلب المعادلة ، بطريقة تضمن ضبط السلاطين في مذهب واحد ، يستدرجون للركون إليه والرضى به ، والخضوع لأحكامه ؛ وتحويل المذاهب الأخرى أَحزابًا سياسية معارضة ، قوامها الفقه المذهبي مرجعًا ومستندًا . فيجد الحكام أَنفسهم بين مطرقة المذهب الحاكم ، وسندان المذاهب المعارضة ؛ وبذلك يتحول السلاطين من متحكمين بالمذاهب إِلى محكومين بها وأدوات لتنفيذ أحكامها . وكان المذهب الحنفي - في نظر المؤلف - هو اللائق بهذه المرحلة ، لما يتميز به من مرونة فقهية في ميادين الإدارة والسياسة ومعاملة الأَعراق والأجناس ، ولما يتسم به من سعة ورفق ويسر ، لاسيما وهو مدرسة أهل العراق ، حيث تفاعلت الأمم والشعوب مع الثقافة الإسلامية و العربية ، ومدرسة أهل الرأي التي تميل للتيسير المرحلي في الأحكام والتشريعات .

على هذا النهج سار المؤلف في كتابة رسالته"التحفة"، وسلك فيها مسلكًا بعيدًا عن التنظير الفقهي والنصح المباشر والتسلية المفيدة كما كان شأن من سبقه ؛ وتوسل إلى هدفه بعدة طرق أهمها:

أولًا: الإقرار بشرعية الحكام غير العرب ، بإبراز عدم صحة اشتراط القرشية في الإمامة العظمى ، اختيارًا واستدامة ، وممارسة لشؤون الحكم ؛ومحاولة الإقناع بأن المذهب الحنفي الذي لا يشترط بعض فقهائه ذلك أصلح في هذا المجال . وممارسة الضغط بإبراز رأي المذاهب الأخرى المشترطة للقرشية ، والتي تعتبر سلاطين الترك ذوي شوكة مغتصبين للسلطة بدون استحقاق ، مبّينا أن الالتزام بالمذهب الحنفي والخضوع لأحكامه تثبيت للسلطة ، وتوفير مهابة واحترام من قبل العامة للقائمين عليها ، وترس ديني في مواجهة المعترضين والمحتجين والمخالفين والمتمردين .

ثانيًا: إبراز المكاسب المادية والمعنوية التي يحققها السلطان بالتزامه المذهب الحنفي ، في الميادين العملية ، سياسة واقتصادًا واجتماعًا وحربًا وسلمًا ، وهذه الغاية جعلت المؤلف يتصرف في النصوص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت