المرحلة الثالثة: تصنيفات الأحكام السلطانية في هذه المرحلة لم تعد تهتم بالجانب التشريعي الذي استوفى السابقون أغراضه وأَحكامه ، ولم يعودوا قادرين على تطويره ، لأسباب تتعلق بالرهب أو الرغب . ولذلك ظهرت منهجية جديدة في الكتابة قاصرة على محاولة استيعاب الظروف الجديدة ومعايشتها ، بعد أن استعصى الأمراء على التعقل والعدل والرفق ، وتجارى بهم البطش والطغيان والاستكبار .
كتابات هذه المرحلة كانت متوددة مسالمة مداهنة خانعة ، بأسلوب يحفظ ماء وجه الفقهاء ، ولا يزعج السلطان أو يضايقه ، من خلال تقديم نصائح ذات طابع أخلاقي تعليمي ، من شأنها أن تحفظ العروش - إن طبقت - أطول مدة ممكنة ؛ واستشهادٍ بوصايا من تراث الأمم السابقة ، ومأثورات من الطرائف المسلية والأساطير الخيالية ، والحكم والأمثال ، ومختارات الشعر والنثر ، مدعمة بآيات من القرآن الكريم ، وأحاديث صحيحة وضعيفة وموضوعة ومنكرة ، وأقوال للسلف والخلف ، صحت نسبتها إليهم أو لم تصح . ويمثل هذه المرحلة كتاب"سير الملوك"لنظام الملك (68) ،"والتبر المسبوك"للغزالي (69) ،"والنهج المسلوك"لابن نصر الشيزري (70) .
المرحلة الرابعة: وتمثلها"تحفة الترك"خير تمثيل ، إن لم تكن أولى مصنفاتها وأبرزها . سلك في كتابتها المؤلف نهجًا جديدًا كل الجدة ، اعتمد فيه حنكة سياسية قوامها الفهم العميق لخفايا المرحلة التاريخية ، وتركيبتها الاجتماعية ، ونفسية القائمين عليها ، وأسلوبهم في السيطرة على الدولة وتسيير شؤونها ، واستغلال الخلافات المذهبية والتنوع العرقي والثقافي لاستدامة السلطة وتهدئة العامة .
لاحظ المؤلف أولًا الوضع المقلوب الذي تعيشه الأمة ، فبدلًا من أن تكون للشرع الحاكمية والسيادة فوق الحكام والمحكومين على السواء ، تحول أداة رخيصة في يد السلاطين لتوطيد السلطة وقمع الخارجين . وبدلًا من أن تكون المذاهب الإسلامية مدارس للتيسير والتوسعة على المسلمين وتطوير الأحكام الفقهية ، تحولت أَداة للتضييق على الأمة ، ووسيلة لضبط الفقهاء وقمعهم ، ونيرا في أعناقهم يشل حركتهم الفقهية ويركسهم في الفتن والصراع والتآكل ، ويأطرهم على طاعة"أولي الأمر"أطرًا ، ويجعل وحدتهم وتآلفهم واختلافهم وتناحرهم بيد السلطان ، وحسب مشيئته . وقد أورَدت المصادر التاريخية نماذج كثيرة لأوجه تصرف السلطان في أَمر وحدة الفقهاء واختلافهم ، منها ما ذكره ابن حجر في"إنباء الغمر" ( 1/258-2/75) عندما أمر السلطان المملوكي برقوق ، الفقهاء بمحاكمة القاضي الشيخ علي بن العز الحنفي بسبب اعتراضه على قصيدة للشاعر ابن أيبك ؛ فقد اجتمع الفقهاء أَولًا لمحاكمته ، فاعتذر القاضي أثناء المحاكمة عما بدر منه ، فأَمر السلطان الفقهاء بإِعادة محاكمته ثانية ، فأعادوها وحكموا بمعاتبته ، فلم يرض السلطان بالحكم وأمرهم ثالثة بإعادة المحاكمة ، ثم رابعة ثم خامسة قضوا فيها - حسب هوى السلطان - بسجن القاضي وتعزيره .