هذه الظنية المحيطة بالحديث ، والآخذة بتلابيبه من كل جهة ، جعلت متأخري الحنفية وعلى رأسهم نجم الدين الطرسوسي ، يعتبرون الأصل في سياسة الحكم والتصدر لقيادته ، المساواة المطلقة بين المسلمين ، و إن لم يصرحوا بضعفه أو بنسخه (65) .
3-من ناحية منهجية تناول الموضوع:
لابد لنا من التعريج على مراحل تطور فقه الأحكام السلطانية في الفكر الإسلامي ، وهي تكاد تكون ثلاث مراحل ، رابعتها تمثلها"تحفة الترك"خير تمثيل .
المرحلة الأولى: كانت الأحكام السلطانية فيها مواعظ متفرقة مبثوثة في كتب الأخبار والأدب ، لم تفرد لها مصنفات خاصة ؛ وهي عبارة عن أمثال وحكم وأقوال مأثورة ، وقصص وآيات من القرآن الكريم ، وأحاديث نبوية ؛ كما هو الشأن في كتاب"عيون الأَخبار"لابن قتيبة ( 213هـ/828م- 276هـ/889م ) ، والكامل للمبرد ( 210هـ/826م-285هـ/898م ) ، والعقد الفريد لابن عبد ربه ( 246هـ /860م - 328 هـ /940م ) .
المرحلة الثانية: خصصت للأحكام السلطانية مصنفات مستقلة ، سار فيها الفقهاء على نهج فقهي تشريعي لما ينبغي وما يجب وما يجوز أن تكون عليه الخلافة ، واستوفت مواضيعها نظم الملك والوزارة والإدارة والقضاء والحسبة والأموال ، وتنظيم الجيوش والعلاقات مع داري الحرب والمهادنة . ويمثل هذه المرحلة خير تمثيل الماوردي (66) في كتابه"الأحكام السلطانية"، وأبو يعلى الفراء (67) في كتابه"الأحكام السلطانية"، وإِمام الحرمين في كتابه القيم"غياث الأمم في التياث الظلم".
وقد بذل فقهاء هذه المرحلة جهودًا جبارة ، من أجل تبرير تصرفات الملوك وإضفاء الشرعية عليها . وما لم يجدوه من تشريع في هذا المجال في الكتاب والسنة صريحًا ، استنبطوه منهما تأويلًا وقياسًا واستحسانًا واستصحابًا وسدًا لذرائع ، وتحقيقًا لمقاصد ومصالح مرسلة ، أو بمفاهيم الإشارة والموافقة والمخالفة ، ودلالتي الأولى والاقتضاء ، والعام المخصص بالقياس أو المصلحة ، والمطلق المقيد بالعقل أو المقاصد ، إلى غير ذلك من أساليب الاستنباط التي أوهنت النصوص ، وحولت علم أصول الفقه لعبة شطرنج يتلهى بها الفقهاء ، ويستفيد منها الحكام .
ثم تدهور الاستنباط في هذا الموضوع مرة أخرى ، فاتخذوا لهم من سير ملوك بني أمية وبني العباس مرجعًا فقهيًا ومستندًا شرعيًا ؛ ونزل بذلك فقه الأحكام السلطانية إلى حالة من الإسفاف والسطحية الفجة ، تعب الفقهاء بها في تبرير تصرفات الحكام المنحرفة ، ولم يتعب الحكام من استحداث شتى ضروب البدع ، في سلوكياتهم وأحكامهم وتصرفاتهم الضالة . وكان هذا إيذانًا بظهور منهجية جديدة في الموضوع .