وهو نفس موقف نجم الدين الطرسوسي من قبله في مؤلفه"تحفة الترك"؛ لم يشترط القرشية ، ولم يبين أن عدم اشتراطها للضرورة ، ولم يبين لماذا أجاز التحلل من مقتضيات الحديث"الأَئِمَةُ مِنْ قُرَيْشٍ".
ونحن إذا ما أعدنا دراسة الحديث سندًا ومتنًا ، نجد أن الظنية تحيط به من كل جانب _ برغم كون سنده صحيحًا -: ظنية كونه من الآحاد ، وظنية مخالفته للقرآن الكريم في قوله تعالى: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ } ، ومخالفته لأحاديث آحاد مثله ، ترفعها موافقتها للقرآن عن درجته ، تتعلق بمساواة المسلمين ذمما ودماء ، كالتي أخرجها أحمد في مسنده ، وأبو داود والنسائي في سننهما ، و المسند الجامع (9/260 _ 11/139 _ 13/ 181 ) ، والزيلعي في نصب الراية ( 3/ 3930 ) . كما أن ما ذكر من استشهاد أبي بكر به يوم السقيفة غير صحيح ، ولا تؤيده الروايات الثابتة ، بل لم يقع ذكر الحديث في أي مرة انتخب فيها خليفة راشد ، كما هو الصحيح .
وما ادعي كذلك من إجماع الصحابة على اشتراط القرشية غير صحيح ، ينقضه رفض سعد بن عبادة ، الصحابي الجليل ، مبايعة أبى بكر وعمر . وإصراره على ذلك إلى أن توفي ، وليس في عنقه بيعة لأحد من الخلفاء الراشدين (63) .
ثم إن غضب معاوية في حديث الزهري ، الذي أخرجه البخاري -كتاب الأحكام- ، عندما ذكر له أن ملكًا سيكون في قحطان ، وتهديده من يقول ذلك بقوله: ( وأولئك جهالكم ، فإياكم والأماني التي تضل أهلها ) ، يعتبر شبهة توظيف سياسي لهوى قرشي أموي .
كما أن للحديث مطعنًا آخر من حيث مدلوله ، ذلك أن الإمامة إن كانت لقريش ، فإنها في بني هاشم من قريش من باب أولى ، وفي آل البيت من بنى هاشم من قريش من باب أولى الأولى ؛ اعتمادًا على حديث صحيح آخر هو قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - (64) -:"إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشًا من كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم". وهذا قول الشيعة في إطار الاطراد العقلي المنطقي ، الذي تؤيده النصوص الآحادية الصحيحة ، وفضل آل البيت المنصوص عليه بالأدلة القطعية في القرآن الكريم .
كما أن نصوصًا نبوية أخرى صحيحة تعارض حديث"الأَئِمَةُ مِنْ قُرَيْش"، وردت متأَخرة عليه في حجة الوداع ، مثل حديث الأمر بالسمع والطاعة ولو لحبشي ، وما ورد في خطبة حجة الوداع عن مساواة المسلمين لبعضهم ؛ فيكون بذلك اشتراط القرشية في الإِمامة منسوخًا على أقل تقدير .