العدالة شرطًا للصحة ـ أى صحة الولاية ـ فيصح تقليد الفاسق مع الكراهة . وإذا قلد عدلًا ثم جار وفسق لا ينعزل ، ويستحق العزل إِن لم يستلزم فتنة . ويجب أن يدعى له بالصلاح ونحوه .كذا نقل الحنفية عن أبي حنيفة وكلمتهم قاطبة متفقة"."
إلا أن هذا الرأي غير صحيح عند أئمة الحنفية المعتبرين ، فالإمام أبو حنيفة امتنع عن تولي القضاء للأمويين والعباسيين وحرض عليهم ، وامتحن من أجل ذلك وجلد وسجن وبقي على رأيه وموقفه إلى أن توفي _ رضي الله عنه _ . كما أن ابن الهمام ، وهو من كبار محققي"الحنفية"في"المسايرة"، وصدر الشريعة في"تعديل العلوم"صرحا بأن العدالة شرط جوهري لصحة الخلافة .
أما النسب القرشي ، فإن بعض فقهاء الحنفية ـ شأنهم في ذلك شأن فقهاء المذاهب الأخرى _ ، رأوا أنه في حالة الضرورة يمكن تعيين غير القرشي ( تقريب المرام للتفتازاني323) .
وفي"المسامرة على المسايرة". (290 ـ292 ) نص الكمال بن أبي شريف على ذلك بقوله:"... وصار الحال عند التغلب كما لم يوجد قرشي عدل ، أو وجد قرشي عدل ولم يقدر على توليته لغلبة الجورة على الأمر . إذ يحكم في كل من الصورتين بصحة ولاية من ليس بقرشي ، ومن ليس بعدل للضرورة . وإلا لتعطل أمر الأمة في فصل الخصومات ، ونكاح من لا ولي لها وجهاد الكفار وغير ذلك".
والواقع أن اعتبار حديث"الأَئِمَةُ مِنْ قُرَيْشٍ"صحيحًا وغير منسوخ ، قد أربك الاجتهاد الفقهي في الموضوع طيلة التاريخ السياسي منذ سقوط الخلافة إلى الآن .
فهذا الإمام النووي نفسه في روضة الطالبين يقول:"فإن لم يوجد قرشي مستجمع الشروط فكناني ، فإن لم يوجد فرجل من ولد إسماعيل ، فإن لم يكن فيهم مستجمع الشرائط ففي"التهذيب"أنه يولى رجل من العجم . وفي"التتمة"أنه يولى جرهمي ، وجرهم هم أصل العرب".
وفي العصر الحديث وجد من يجمع بين متناقضين ، صحة الحديث وعدم وجوب العمل به ، مثل الشيخ محمود شاكر ، الذي يقول في كتابه"الخلافة و الإمارة"ص 140:"أما وقد توزعت قريش في الأمصار ، وكثر الأدعياء ، وكل أهمل ما عليه ، وتراخى في دينه ، وتهاون في مقتضى أوامره ، فالأمر عام بين المسلمين ، يتفاضلون بالتقوى".
وهذا الاجتهاد من الشيخ محمود شاكر غير مبني على أي دليل فقهي أو أصولي معتبر ، سوى دليل المصلحة المرسلة التي لا ترد بها الأحاديث الصحيحة ، وهو من أوهن الأدلة وأضعفها ، كما أنه بذلك يتبنى رأي الخوارج بدون دليل .