الصفحة 56 من 149

أدوات رخيصة لإصدار الفتاوى السياسية ، وتبرير الأحكام التعسفية ، والتمويه على جرائم القصور ، والتشريع لبيعة القصر والرضع والعتهاء والمجرمين . ويكفينا مثلًا لطريقة ترقية العلماء في هذه العصور ، أن أبا يوسف (62) عين في منصب قاضي القضاة بعد أن أفتى للخليفة بعدم استحقاق ولده الحد ، وقد شاهده بنفسه يرتكب الفاحشة . كما أن من أوضح الشواهد على وضع العلماء الصادقين ، أن الأئمة الأربعة لمذاهب أهل السنة كلهم نالهم الأذى من قبل الحكام ؛ فالإمام أبو حنيفة جلد وسجن ومات في السجن كما ورد في إحدى الروايات لأنه رفض القضاء ، وجلد الإمام مالك لأنه أفتى بأن طلاق المكره لايجوز ، واعتقل الشافعي وكاد يقتل وفرضت عليه الإقامة الجبرية لأنه يوالي آل البيت ، وجلد الإمام ابن حنبل لأنه رفض القول بخلق القرآن .

هذه الأسباب - وغيرها كثير- كانت كافية لإقصاء الأسر العربية عن السلطة وحجب نصرة الفقهاء عنهم ، لاسيما وهم جهاز التوجيه المعنوي والفكري والعقدي في الأمة .

أما في عصر المؤلف فإن سلاطين الترك لم يكونوا محتاجين إلى شرعية فقهية ، لاستغنائهم عنها بشرعية سيوفهم . ولذلك أعفي الفقهاء من هذه المهمة ونيطت بهم مهمة أخرى أكثر يسرًا وأحفظ لماء وجوههم ، هي الإشراف التشريعي والتطبيقي لأحكام الدين على العامة باستقلالية تكاد تكون تامة ، في ميادين القضاء والحكم والفتوى والحدود والتعازير والأنكحة والمواريث والأوقاف والحسبة والتدريس والوعظ والإرشاد . وبهذا صارت السلطة مقسمة بين طائفة المماليك في شؤون السلطنة سياسة ومالًا وإقطاعًا وجيشًا وحروبًا ، وطائفة الفقهاء في أمر ضبط العامة وتسيير شؤونها الدينية والتعليمية . وقد نال الفقهاء نتيجة هذا الوضع من الحظوة والتكريم والمنزلة الرفيعة والتقدير الجم والاحترام التام ، ما لم ينالوه من قبل أو من بعد ؛ وكانوا بحق شركاء في السلطة وركائز للنظام ، نصرة وولاء ، على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم ، وإن ظلت فقهيات كثير منهم تتحدث عن شروط الإمامة قرشية واجتهادًا وعدالة في الميدان التعليمي المحض ، وللضغط على الحكام وتليين جانبهم وتلطيف غلوائهم . ثم بعد حين ظهرت بينهم نزعة جديدة في متأخري الحنفية خاصة ، تنحو نحو تجاوز هذه الشروط وتناور فقهيًا لأهداف استراتيجية غايتها إخضاع الحكام لأَحكام الدين ، واستدراجهم لقبول التحاكم إليه ، فكانت تحفة الترك باكورة الإنتاج الفقهي في هذا الاتجاه ، ممهدة الطريق لقيام أول خلافة إسلامية غير عربية ، هي مملكة آل عثمان التركية ذات الشوكة والمنعة .

2-من الناحية الفقهية السياسية:

الجمهور على أن الإِمامة واجبة بالعقل والنقل ، وخالفهم جماعة من القدرية و الخوارج ، كأبي بكر الأصم الذي ذهب إلى إمكان الاستغناء عنها إذا كف الناس عن التظالم ، وهشام الفوطي الذي زعم أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت