الصفحة 55 من 149

مضامين تحفة الترك وقيمتها

ينظر إلى مصنف"تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك"من ثلات زوايا مهمة ، هي مفتاح الفهم لمضامينها ومقاصد المؤلف من تأليفها ، واتجاه الرياح السياسية في المنطقة عند صدورها ؛ من الزاوية التاريخية ثم الفقهية السياسية ثم المنهجية .

1-من الناحية التاريخية:

نلاحظ أنها كتبت سنة 753هـ-1351م ، وهي الفترة التي انحسر فيها النفوذ العربي عن كافة مراكز السلطة وصنع القرار في الوطن الإسلامي .

في شرق آسيا وبلاد فارس وما وراء النهرين كان التتار والفرس هم ولاة الأمر ، وفي مصر والشام كان المماليك الترك والشركس ، وفي المغارب الأدنى والأوسط والأقصى ، كان مصامدة جبل درن الحفصيون في تونس ، والزناتيون بنو عبد الواد في تلمسان ، وأبناء عمومتهم بنو مرين في فاس . وكان لهذا الوضع أثر بالغ في تكوين عواطف العامة ، وولاء الفقهاء أقطاب التوجيه العقدي ، في ميداني النصرة العصبية والاجتهادات الشرعية السياسية . كما كان لأخطاء الحكام العرب الذين مارسوا سلطة اتخاد القرار منذ سقوط الخلافة الراشدة - باستثناء فترات قصيرة في أول مملكتي بني أمية وبني العباس- ، تأثير سلبي قوي أضعف الانتماء العربي وفتت تماسكه ، وأضعف الآمال في جدواه ، وساهم في إثارة شعوبية فقهية مسلحة بأقوام وأجناس متماسكة مقاتلة .

كما أن الجنس العربي في هذا العصر - والقرشيون في المقدمة -كان أبعد الناس عن الوصول إِلى السلطة ، فلا العصبية باقية فيهم لتوفير القوة والنصرة . ولا الصراحة في النسب واضحة لاختلاط الأجناس والأقوام ، وإكثارهم من أبناء الإماء والجواري وأمهات الأولاد ، وشيوع الانتحال والادعاء في الانتماء إلى قريش وآل البيت وأعيان الصحابة ؛ ولا الرشد السلوكي متوفر في نخبتهم - باستثناء قلة غريبة بينهم - ؛ إذ اتجهت غالبيتهم إلى الابتذال وأدبيات الخلاعة والمجون بعد أن حيل بينهم وبين السلطة ، وعجزوا عن مجاراة الأعاجم في ميادين العلوم ؛ ولا القوة الاقتصادية بأيديهم ، لأن سلاطين عصرهم احتكروها وتداولوها واستغلوها لكل غاية يرجى نفعها .

كما أن المظالم التي أوقعوها ببعضهم أثناء توليهم السلطة ، وبأرحامهم وذرية نبيهم وصحابته ، تراكمت وشكلت سلاحًا شاكيًا في أيدى الأجناس الأخرى ، قضى على كل ولاء لهم أو عطف عليهم أو تشوف لعودة عهودهم ، لا سيما لدى الفقهاء الذين كانوا أول من أدى ضريبة سقوط الخلافة الراشدة اضطهادًا وترهيبًا وتعذيبًا . وقد حولهم ملوك بني أمية وبني العباس والفاطميين العرب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت