الشرق الإسلامي
الأخباريون المسلمون يؤرخون للمغول الذين هاجموا بغداد بكثير من التحامل ، ويحاولون تغطية حقيقتهم ، وستر واقع أنظمة الحكم عند المسلمين في تلك الفترة . يصفونهم بالوحشية والبدائية والجهل والتخلف ؛ وهذا غير دقيق بالرغم من وثنيتهم وقساوتهم وفظاعة الجرائم التي ارتكبوها في حق المسلمين . ذلك أن المغول قبل أن يهاجموا بغداد السادرة في غفلتها وفسادها - إذ ذاك - ، كانوا قد أسسوا إمبراطورية دوخت آسيا وهددت أوربا الشرقية ، بعد أن نظمت شؤونها الداخلية والعسكرية بشكل أرقى مما كان لدى ملوك المسلمين في ذلك العهد (57) .
ففي الوقت الذي كان فيه ملوك المسلمين يكنزون الذهب والفضة والمعادن النفيسة والأحجار الكريمة ، حتى لتضيق بها خزائنهم ، فيتخذون لها الدفائن تحت الأرض ، ثم يعكفون على الفساد والفاحشة والعربدة ، تاركين لجنودهم ومماليكهم أن يستخلصوا رواتبهم من العامة ؛ كان جنكيز خان مؤسس إمبراطورية المغول ، ينفق خزائنه على تنظيم جيوشه وتكثير جنوده ، وتربيتهم التربية القتالية العالية ، ويشكل منهم الكتائب ، ومن الكتائب الجيوش يوزعها على مختلف الجبهات .
وفي الوقت الذي كان فيه ملوك المسلمين قد ضربوا عرض الحائط بالكتاب والسنة وتشريعاتهما المعجزة ، كان جنكيز خان قد وضع قانونه الأساسي (ألياسا) ونظم به حياة أمته وجعل له قدسية فوق الإمبراطور نفسه .
وفي الوقت الذي لم تكن فيه لممتلكات المسلمين وثرواتهم حرمة ، وكانت معرضة للنهب والمصادرة لأي سبب وبدون سبب ، كان المغول قد شددوا في تشريعاتهم على مبدأ احترام حق الملكية ، وعاقبوا على السرقة وقطع الطريق والاعتداء على أملاك الغير بالقتل .
وفي الوقت الذي مسخ فيه حكام المسلمين المرأة فحولوها أداة من أدوات اللهو والعبث ، وأصبحت فيه الجواري والإماء أساس الأسرة لدى الكبار والأعيان والقضاة والأَثرياء ، كان جنكيز خان قد حرر المرأة واعترف بقيمتها وبكونها أساس الأسرة ، فتمتعت بالاحترام في مجتمعها ، وبالاستقلال في مالها ، وشاركت في تسيير أمور الدولة والجيش مشيرة ومشرفة ومقاتلة .
وفي الوقت الذي كان فيه حكام المسلمين ينطون على كرسي الملك بالسطو المسلح في جنح الليل ، أو بالوراثة الغبية التي ترفع إلى سدة الحكم الموتورين والأغبياء والبله والقصر والرضع ، كان المغول يسلكون في اختيار أمرائهم سبيل الانتخاب العلني الحر ، فتنصب الخيمة الكبيرة في العراء ، ويحضر الأعيان والقادة ورجال القبائل وممثلو الدول الصديقة ، ويجري اختيار الإمبراطور بطريقة سلمية لا غبن فيها ولا دماء ، وبشعور فطري عام بقيم العدالة والمساواة ، وما ينبغي أن يتصف به الحاكم إزاء قومه .