ولا يسعنا إلا أن نعجب للرسالة التي كتبها هولاكو إلى سلطان مصر وقال فيها (58) : ( ... ودعاؤكم علينا لا يسمع ، فإنكم أكلتم الحرام ، ولا تعفون عن كلام ، وخنتم العهود والأيمان . وفشا فيكم العقوق والعصيان ... وقد ثبت عندكم أننا نحن الكفرة ، وقد ثبت عندنا أنكم الفجرة ، وقد سلطنا عليكم من له الأمور المقدرة والأحكام المدبرة ( .
إن غزو بغداد لم يكن أمرًا مفاجئًا وطفرة بدون مقدمات ، لأن جيوش المغول كانت قبل ذلك قد اخترقت الآفاق ، دوخت الصين الشمالية ، وقضت على الدولة الخوارزمية المسلمة ، وسيطرت على خراسان ومرو وبخارى وسمرقند ، وأذربيجان وروسيا الجنوبية ، والقرم والقوقاز ، دون أن تنتبه بغداد من نومها .
وبعد تولي (أوكتاي) الذي خلف جنكيز خان ، انقضت جيوشه على شمال جبال الأورال وبحر الخزر ومدينتي موسكو وبلغار على نهر الفولغا ، وهزمت البولنديين ودمرت مدينة براسلاف الألمانية ، وهزمت حاكم سيليسيا هنري الثاني الذي انتحر للهزيمة .
ثم حينما اختارت الأمة المغولية (مانكو) خلفًا لأوكتاي ، أقام - على وثنيته - نظامًا متسامحًا تعايشت فيه جميع الأديان إسلامًا ومسيحية وبوذية ، وشيدت فيه على قدم المساواة المساجد والكنائس والمعابد . ثم بعد ذلك عهد إلى أخيه هولاكو بغزو الغرب الأسيوي الذي يضم ديار المسلمين وعاصمتهم بغداد ... ؛ كل هذا وقع والخليفة مع قادته العسكريين غارقون في غفلتهم .
ثم بعد توقف المد المغولي عند فارس والعراق ، وانحساره عن الشام بجهاد المماليك ومقاومتهم ، ترك أمة ذاهلة واقتصادًا منهارًا ومجتمعًا بائسًا هزيلًا ، منغمسًا في الخرافة والفوضى . ثم لطف الله بهذه الأمة فأسلم حكام إيران من المغول ، وعلى رأسهم ملكهم (نيكودار) ، وتتابع بعده إقبال المغول على الإسلام ، لاسيما في عهد"غازان"الذي اختار مذهب أهل السنة وأحسن إلى أهل الشيعة .
ثم خلفت مملكة المغول في إيران الدولة المظفرية في كرمان وفارس ، والدولة الجلائرية في منطقة ما بين النهرين . وتتابعت بعد ذلك دويلات ضعيفة منقسمة على نفسها . مثل:
الأسرة الخلجية الأفغانية ( 1290 م - 1330 م)
الأسرة التغلقية ( 1325 م - 1415 م)
أسرة الشاة البيضاء ( 1379 م - 1503 م)
أسرة الأسياد ( 1414 م - 1451 م )
الأسرة اللودية ( 1452 م - 1526 م )
وظلت هذه الدويلات وغيرها تتصارع ويسقط بعضها بعضًا ، دون أن تستطيع تكوين دولة قوية ، أو تنضم إلى الإمبراطورية العثمانية التي كانت قد قويت شوكتها ؛ إلى أن قامت روسيا