لذلك ، ارتأيت أن أساهم في الجهود التي برزت للنور أخيرًا ، جهود إِحياء التراث الفقهي السياسي للأمة ، بتحقيق مصنف (تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك) الذي ضمن كتاب ( النور اللامع فيما يعمل به في الجامع ) لإبراهيم بن على الطرسوسي الحنفي ، الدمشقي ، وتقديمه لأبناء الإسلام.
ولئن كان التصنيف في الأحكام السلطانية قد مَرَّ خلال العهود الماضية بعدة مراحل:
مرحلة كان فيها الفقه السياسي مواعظ مبثوثة في كتب الأخبار والأدب ، مقتبسة من مبادئ الإسلام ، ونصائح الحكماء ، وتجارب الإنسان ، وتقاليد العرب والفرس والهند واليونان.
ثم مرحلة كانت مصنفاتها كتبًا مستقلة بها، حاول مؤلفوها وضع تصور فقهي لنظام الحكم في الإِسلام ، نائين فيها عن تأثير الثقافة الأجنبية والفلسفة اليونانية، التي حمل لواءها الفارابي وابن سينا وغيرهما ، متخذين من القرآن والسنة النبوية ، وعادات العرب وتقاليدهم ، وسير الخلفاء الراشدين ، والملوك من بعدهم ، مرجعًا تشريعيًا وتبريريًا لما ذهبوا إِلى تقنينه من نظم ، وما أباحوه أو أوجبوه أو منعوه من تصرفات.
ثم مرحلة انكفأ فيها كتاب الأحكام السلطانية، إلى منهج للتصنيف غاية همه الحد من غلواء الملوك والحكام ، وتسلطهم وطغيانهم ، بأسلوب وعظي خانع أحيانًا ، مقنع الخنوع أحيانًا أخرى، على شكل قصص للتسلية والترفيه، مستعينين في ذلك بتراث الأمم وقصص الحكمة ، وبعض النصوص الإسلامية ، ومقتبسات الشعر والنثر، محاولين إقناع الملوك والسلاطين بأن تطبيق مضمون هذه المصنفات من شأنه أن يحفظ ملكهم ، ويطيل عهودهم.
فإن كتاب"تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك"، جاء يمثل مرحلة متقدمة في هذا المضمار وتتويجًا له؛ ولا مبالغة إِذا زُعِمَ أنه من خواتم ما صدر في الفقه السياسي في تلك العصور . لأنه من آخر ما صنف في الموضوع أَولًا ، ولأنه نهج نهجًا مخالفا لما ظهر قبله في هذا المجال ثانيًا .
فمؤلفه لم يكتبه بأمر"من تجب طاعته أعزه الله"، كما جرت بذلك عادة أغلب كتاب الأحكام السلطانية؛ وهذه ظاهرة إيجابية تنبئ عن موضوعية المؤلف و استقلاليته.
ولم ينح فيه منحىً تبريريًا لأعمال الملوك والحكام، كما فعل من سبقه ممن كانوا يتتبعون تصرفات الرؤساء، لإضفاء الشرعية عليها بمختلف أساليب التحايل الفقهي والاستدلال العقلي والسفسطة المتمنطقة؛ بل انطلق في كتابه يأمرهم بما ينبغي لهم أن يفعلوه وما لا ينبغي ، في مجال رعاية شؤون الأمة وتسيير مرافقها . وهذه انطلاقة جديدة لم نعهدها في الدراسات التي سبقته .
ولم يحاول فيه أن يخلط بين أحكام المذاهب الإسلامية، لينتقي منها ما يقربه إلى قلوب الملوك . وإنما حاول بوضوح تام ، وربما لأول مرة في تاريخ الأحكام السلطانية، أن يأطرهم على مذهب