بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ، ومن يضلل فلا هادي له ؛ وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، وسلم تسليمًا .
أما بعد ، فقد أصبح من قبيل الواجب ، أَن يولى نظام الحكم في الإسلام ، ما يستحقه من عناية و اهتمام ؛ خاصة والأُمة الإِسلامية قاطبة ، ترزح تحت أَنظمة سياسية مضطربة ، لا تكاد تصح نسبتها إِلى مبدأٍ سماوي أو نظام أرضي ؛ و شعوبها تئن تحت وطأة الظلم و العسف ، والجور و الاستغلال ؛ وقد ضاقت بها الأرض بما رحبت ، وتشوفت إِلى الخلاص ... ولا خلاص ؛ وأعداء الإِسلام السافرون والمقنعون ، يحاولون إِحراج دعاة الحل الإسلامي ، بأسئلة خبيثة عن طبيعة المشروع السياسي الإسلامي ، الذي حال دون ظهوره غبش الماضي ، ومكر الحاضر ، وقلة الناصر ...
هذا الوضع المفجع ، تعيشه الأمة منذ قرون منذ انتقاض الحكم الإسلامي الحق ، بسقوط الخلافة الراشدة .
وقد حاول طيلة هذه الحقب ، فقهاء وعلماء ، أَن يعيدوا بناء التصور الإِسلامي لنظام الحكم الرشيد ، بمصنفات حقق قليل منها ونشر ، وما زال أكثرها في زوايا النسيان والإهمال ، بمختلف المكتبات العالمية والعائلية .
ولئن كان الصواب قد جانب كثيرًا من هذه المصنفات ، في بعض مباحثها ودراساتها ، فإِن في جميع ما ألف وصنف ، أرضية صالحة ، تشكل منطلقًا لتجديد البحث و تطويره ، وقاعدة تبنى عليها جهود الخلف المعاصر في هذا الميدان.
لذلك كان الاتجاه إِلى تراث الأَحكام السلطانية ، الفقه السياسي الإسلامي ، لإحيائه بالتحقيق والدراسة والنشر ، عملية ضرورية للانطلاق في إِعادة بناء التصور السياسي الإسلامي الحق ، وتقديمه إِلى الأمة بديلًا ربانيًا عَلَّ الصادقين القادرين من أَبنائها ، يستبين لهم الحق من الباطل ، والرشد من الضلال ، فتكون أوفر النتائج وأطيب الثمار ، لجهودهم الصادقة المخلصة ، الهادفة إِلى إقامة أمر للإسلام ، يعز فيه أَهل طاعة الله ، ويتوب فيه أَهل معصيته و يؤمر فيه بالمعروف ، وينهى فيه عن المنكر ، وتصان فيه كرامة الإنسان ، أَيًّا كان دينه ومذهبه ، ولونه ولسانه ، ومنهج حياته وطريقة تفكيره في ظل المحبة الإِلهية ، والمودة الربانية { يا أَيُّها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ و أُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوْبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوْا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ } الحجرات 13 .