والفئة الثالثة هي طبقة الإداريين والمحاسبين الماليين ؛ وكانوا ينتقون من أهل الذمة يهودًا ونصارى ، ثقة في ولائهم وكفاءتهم وقدرتهم على ابتداع أساليب جلب الأموال من العامة بدون رحمة ؛ وقد أطلقت أيديهم كذلك في أموال الأمة فازدادوا غنى وثراء .
أما الجماهير المغلوبة على أمرها ، الشعب المقهور ، الخائف الجائع ، الذي لا ينظر إليه بأي نظرة تميزه عن الحيوان إلا بكونه مصدرًا لجمع الأموال السلطانية ، فإنه أخذ يبادل الطبقة الحاكمة مماليك وفقهاء وإداريين احتقارًا باحتقار ، وازدراء بازدراء ، وإذ أطلق عليه حكامه لقب"الفلاحين"أطلق على السلاطين وجنودهم لقب"المماليك والجلبان والأجلاب"، وعلى الفقهاء والقضاة لقب"أهل العمامة"، لأن عمائمهم كانت أكبر من عمائم غيرهم ، وكانت تتناسب في حجمها تناسبًا طرديًا مع رتبهم ومنزلتهم لدى الحكام ، وعلى الإداريين من أهل الذمة لقب"أرباب الأقلام".
أما أساليب جمع الأموال فكانت تبدأ من المصادرة المباشرة ، والعقوبات المالية التي يبيع لها الناس بناتهم في السوق ، كما ذكر ابن كثير في"البداية والنهاية 14/269"، وتمر عبر ما سموه"الحقوق السلطانية والمعاملات الديوانية"، التي تشمل فرض دينار على كل مواطن ذكرًا أو أنثى ، فقيرًا وغنيًا ، وأجرة شهر عن الأملاك والأوقاف والغيطان والسواقي ، وزكاة الأموال معجلة ، وثلث أموال الأجانب المقيمين ، ناهيك عن عصابات المماليك والجلبان التي تجوب الأسواق للنهب والتخريب ، في فترات المجاعة والكوارث الطبيعية (48) .
حتى الدعارة نظموها وجعلوها تحت إشراف قيمة مسؤولة عنها ، أطلقوا عليها لقب"ضامنة المغاني"؛ ومن المضحك المبكي أنها هي نفسها جعلوها أيضًا مسؤولة عن الواعظات والقارئات ومحترفات النياحة في المآتم ، وفرضوا على كل واحدة منهن ضريبة لخزانة السلطان ؛ واتخذت للدعارة بيوت خاصة وأحياء وشوارع معينة ، فكان الذي يخطئ الطريق ويمر منها يرغم على ارتكاب الفاحشة ، فإن رفض فدى نفسه بمال . وكان من نتيجة هذا الوضع ازدياد نفوذ الجواري والإماء والمغنيات والداعرات في قصور السلاطين ، إلى حد كنّ فيه يشاركن في أمور الدولة ، ويرفعن ويخفضن ، وتقدم إليهن الهدايا والرشاوى ، حتى إن الأمير الحاج ملك ، نائب السلطنة ، كان إذا سأله أحد شيئًا قال له:"يا ولدي ، رح باب الستارة ، أبصر طواشي ، أو توصل لبعض المغاني ، تقض حاجتك" (49) .
أما عن الحياة الثقافية ، فقد اعتورت اللغة العربية هنات وهنات ، واختلطت باللغات الأعجمية السائدة ، وعمت الركاكة الشعر والنثر ، وإن كان المتأدبة والأدباء أكثر في هذا العصر من غيره ، لأن الأدب لم يعد حرفة للتكسب بقدر ما صار نوعًا من الظرف والكياسة ؛ إلا أن العلوم الدينية نفقت سوقها وكثر مريدوها ، فكان هذا العصر أزهى عصورها وأكثرها علماء وفقهاء وجهابذة ،