الصفحة 31 من 149

الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية

في عهد المماليك

جمع المماليك بين طرفي نقيض ، الرق والإمارة ؛ وتعايشت في نفوسهم نزعتا الشعور بالاضطهاد الذي نالهم في صباهم ، والاعتزاز بالجاه الذي نالوه في كبرهم ، فولَّدَ ذلك لديهم حقدًا واستكبارًا على الأمة التي استعبدتهم صغارًا ، وخضعت لهم كبارًا . واحتفظوا - نتيجة هذا الشعور - بمميزاتهم الشخصية والعرقية ، ولغتهم الأجنبية ومجالسهم العائلية ، فلم يختلطوا بالعامة ولم يثقوا بهم ، وعاشوا حياة مزدوجة ، حياة السكر والعربدة والفساد وارتكاب المنكرات ، واغتصاب الأعراض والأموال في خفي أمرهم ، وحرصوا على الظهور أمام العامة بمظهر حماة الدين ؛ فشيدوا المساجد والمدارس وأكثروا من الأوقاف الخيرية والدينية والثقافية ، وأرسلوا الهدايا والأموال وأغطية الكعبة في المحامل المهيبة إلى الحرمين الشريفين ، وتزوجوا بنات الفقهاء والعلماء والقضاة . ولكن نفقات أعمال البر لديهم كانت كلها من الأموال المغتصبة ، والممتلكات المصادرة ، والأراضي الزراعية التي انتزعوها من أصحابها وحولوها إقطاعًا .

وقد استعانوا في ضبط مملكتهم بثلاث فئات:

فئة الجيش الذي وزعت عليه أحسن الأراضي الزراعية إقطاعًا ، والذي بيده العقوبات السلطانية ، التي استحدثت لها أساليب للتعذيب لا تخطر على ذهن بشري سوي ؛ فالتوسيط والعصر واستئصال الأعضاء جزءًا جزءًا من أهون ضروبها وأنواعها . وقد ذكر ابن تغري بردي في"النجوم الزاهرة 9/323"أن الرجل كان ينعل بالحديد كما تنعل الخيل والحمير ، أو يعلق بيديه وتعلق عليه الأثقال حتى تنخلع أعضاؤه ويموت . كما ذكر ابن كثير في"البداية والنهاية 14/265"أن المماليك عندما أوقعوا بقرية حوران ، أمروا بقطع رؤوس القتلى وتعليقها في أعناق الأسرى ، ثم ساقوهم إلى الأمير ، فكان الأسير إذا أعيى قطع رأسه وعلق في عنق صاحبه ، حتى إنه علق في عنق أب شيخ كبير رأس ولده الذي قطع أمام عينه .

وفئة الفقهاء الذين بيدهم العقوبات الدينية ، التي تطبق فقط على المستضعفين من العامة ؛ وقد جعلت لهذه الفئة الرواتب المغرية ، وأطلقت أيديها في أموال الأوقاف والأيتام ، والصدقات والقضاء والحسبة والرشوة ؛ فأصبح تعلم الفقه وعلومه وسيلة أمام أبناء المستضعفين والفقراء للخروج من الفاقة ، فكثر عدد الفقهاء والمتفقهة وترفت أحوالهم ونعموا بطيب العيش .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت