وآمد ، وحران والبيرة وحلب وفتحها قهرًا ، ثم حاصر دمشق فهرب الناصر ، وسلمها أعيان الفقهاء إلى المغول ، نظير وعود كاذبة لم يوف بها (45) .
هذا هو الوضع العسكري الذي وجد المماليك أنفسهم فيه ؛ ولكنهم كانوا أهلًا لمقارعته ومغالبته . فما أن استتب الأمر للمملوك قطز (46) حتى أخذ في جمع الأموال والأقوات وتجييش الجيوش والتحريض على الجهاد ؛ ثم توجه لقتال المغول ببطولة نادرة ، فهزمهم بعين جالوت يوم الجمعة 25 رمضان 658 هـ - 1260م ، ثم ضم عقب ذلك الشام من الفرات إلى سلطنة مصر . وواصل خلفه بيبرس بنفس الشجاعة والإقدام مقاومته المغول ، وجحافل الصليبيين ، وحلفائهم الأرمن والحشاشين الباطنية ، فافتتح ما يقرب من ستين بلدًا وحصنًا . وكانت معاركه ضد الصليبيين 21 معركة ، وضد التتار 9 معارك ، وضد الأرمن 5 معارك ، وضد الحشاشين ثلاث معارك ، انتصر فيها كلها . وفي عهد خلفه قلاوون استرد حصن المرقب ، وأسقطت إمارة طرابلس الصليبية . وفي عهد ابنه الأشرف فتحت عكا سنة690 هـ ، واستردت صور وحيفا وعتليت وانطرسوس وصيدا ؛ وانتهى بذلك الوجود الصليبي في الشام .
وفي بداية القرن الثامن الهجري ( 2 رمضان 702 هـ) ، حقق الجيش المملوكي نصرًا آخر مؤزرًا على المغول في مرج الصفر عند قرية شقحب قرب دمشق ، فتوقف بذلك المد المغولي عند العراق وفارس .
وبعد إجلاء الصليبيين عن الشام ، اتخذوا من جزر قبرص وأرواد ورودس ، قواعد لتوجيه العدوان على الشواطئ الإسلامية ، بقيادة بطرس الأول ملك قبرص ، وفرسان رودس والبندقية ، في سنتي 767 هـ ، 768 هـ ؛ فتصدى لهم المماليك وردوهم . ثم عقدت بين الطرفين معاهدة صلح سنة 772 هـ - 1370م . وكانت أهم نتائج جهاد المماليك دحر الأعداء المتكالبين على الأمة من شرقها وغربها ، وتوحيد الشام بمصر ؛ وهذا بحق أعظم إنجاز تحقق في تلك العصور (47) .