الصفحة 29 من 149

له مجلس من قضاة المذاهب وفقهائها ، ثم عوقب تشهيرًا أو جلدًا أو سجنًا ؛ وقد ذهب ضحية هذه الأساليب القمعية أعيان من الفقهاء المجتهدين الأفذاذ ، على رأسهم ابن تيمية (41) رحمه الله .

إن عصر المماليك هذا كانت له آثار سلبية مدمرة ، في عدة ميادين اجتماعية واقتصادية وثقافية ، إلا أن منجزاته في مجال الدفاع عن أرض الإسلام كانت إيجابية ورائعة وليس لها مثيل ؛ ذلك أن الحياة القاسية التي عاناها المماليك في صباهم ، والتربية الدينية والعسكرية التي نُشِّئوا عليها ، كونت منهم مقاتلين أشداء ، وفرسانًا أقوياء ، ومدافعين عن سلطانهم مستميتين ؛ واجهوا المغول وألحقوا بهم الهزائم ، وأوقفوا زحفهم ، وواجهوا بقايا الصليبيين في الشام ، وأجلوهم عن المنطقة نهائيًا . وفي الوقت الذي انحسر فيه النفوذ العربي عن السلطة في مشارق الوطن ومغاربه ، وانكفأ العرب في غمار العامة المستضعفين ، قيض الله للأمة هذه الطائفة من الأعاجم الغرباء ، قاتلوا أعداءها وجاهدوهم ، فأبلوا في ذلك البلاء الحسن .

وإذا ما استعرضنا الوضع العسكري في ظروف قيام دولة المماليك ، تبين لنا أن البلاد كانت بين مطرقة المغول شرقًا ، وسندان الصليبيين غربًا ؛ فنصارى أوربا برغم هزيمتهم على يد صلاح الدين ، بقيت لهم في الساحل الفلسطيني حصون ومستعمرات كثيرة ، مثل طرابلس وصور وحيفا وصيدا وغيرها ؛ كما ظلت الحملات الصليبية تتوالى على الشام ومصر وسواحل إفريقية ؛ فكانت الحملة الصليبية الثالثة بقيادة ملك ألمانيا هنري السادس سنة 594 هـ - 1197 م ، والحملة الرابعة بجنودها من ألمانيا وفرنسا وإنجلترا سنة 598 هـ - 1202م ، والحملة الخامسة بقيادة لويس التاسع وجان دي بريين ملك بيت المقدس (616 هـ - 1219م) ، والحملة السادسة بقيادة ملك صقلية فريدريك الثاني ، بعد أن دعاه الملك الكامل محمد ليسلم إليه ثانية بيت المقدس ، نظير أن يساعده ضد أخيه المعظم عيسى (624 هـ - 1227 م) ؛ ثم استرجع بيت المقدس منهم الناصر داود في 6 جمادى الأولى سنة 637 هـ - 1241 م ، والحملة السابعة التي قادها لويس التاسع على مصر سنة 646 هـ - 1248م وانتهت بهزيمته وأسره ، على يد القائد المملوكي بيبرس البندقداري (42) . وفي أول عهد المماليك أيضًا (19 محرم 656 هـ - 12 /2/ 1258م) ، دخل المغول (43) بقيادة هولاكو بغداد واقتحموا أسوارها ، وأحاطوا بقصر الخليفة المستنصر العباسي يرشقونه بالنبال ، فلم يشعر الخليفة بسيطرتهم على مقر الخلافة إلا بعد أن أصيبت بسهم من النافذة ، جاريته"عرفة"التي كانت ترقص أمامه وتضاحكه ، كما ذكرذلك ابن كثير في البداية والنهاية (44) . وبدلًا من أن يناصر حكام المسلمين بعضهم في هذه المحنة ، أرسل سلطان دمشق الناصر بالهدايا إلى هولاكو ببغداد ، والتمس منه المساعدة على استخلاص مصر من المماليك ، فكان جواب هولاكو أن غزا ديار بكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت