الصفحة 28 من 149

وكون المماليك في مصر عصبية متينة لا عهد للأمة الإسلامية بها ، هي عصبية الرق ، بعد أن تفتتت عصبية الدين مللًا ونحلًا ، وعصبية الدم قبائل وشعوبًا ؛ وساعد على تقوية عصبية الرق وتمتينها عدة عوامل ، أهمها الحياة القاسية التي عاشها المماليك في صغرهم ؛ فقد اختطف أكثرهم وانتزعوا من أسرهم صبية ، وذاقوا مرارة الغربة والشتات والرعب ، وتجرعوا قسوة الخصاء والنخاسة ، ومهانة الاستخدام لدى الأمراء والأغنياء ، وتناقض الدين الجديد الذي لقنوه مع واقع الأسياد الذين انتحلوه ، فجففت هذه المحن قلوبهم من الرحمة واللين ، والوفاء والشفقة ، وملأتها حقدًا على غيرهم ، سواء من الأسياد ، أو من الشعوب العربية الخانعة لهؤلاء الأسياد . فلما استولوا على السلطة كونوا من بني ( رقهم ) جيشًا ضاربًا قويًا ، وتمسكوا بالحكم ، ودافعوا عنه بشدة ؛ وكان منهجهم في ذلك القتل بالشبهة ، والاستئثار بالأموال والإقطاع وسائر الخيرات ، وترك العامة لمصيرهم المظلم جوعًا وفاقة وجهلًا ومرضًا ؛ واستعانوا بطائفة من الفقهاء في الميادين المتعلقة بشؤون العامة ، قضاء وحسبة وأوقافًا ووعظًا وتدريسًا ، وتنفيذًا للشريعة مواريث وأنكحة وحدودًا وتعازير .

فكان الحكم في هذا العهد بين طائفتي المماليك والفقهاء ، المماليك في السلطة والسياسة والمال والقوة العسكرية ، والفقهاء في الشرع وأحكامه ، وتوظيف استنباطاته لترويض العامة وحملهم على طاعة ولي الأمر . كما استحدث المماليك أسلوبًا شيطانيًا لضمان ولاء الفقهاء وضبطهم والتحكم فيهم ، أسلوبًا مبنيًا على التفرقة وتسليط بعضهم على بعض ، وإخضاع بعضهم ببعض ، فعينوا لكل مذهب من المذاهب السنية الأربعة قاضي قضاة له نواب في المناطق النائية . (39) ووزعوا قضاء العسكر والحريم والأوقاف والنظارة والحسبة على فقهاء السنة ، وحرضوهم على بقايا التشيع التي تركها الفاطميون في المنطقة ؛ فكان الرجل ينتقد الفساد المستشري ، فيتهم بشتم الصحابة أو التشيع ، وتقام عليه الحجة بعدول (40) (الوقت) ، ثم يحال على القاضي المالكي الذي يجيز قتل ثلث الأمة استصلاحًا . ثم أذكوا نار التحاسد والبغضاء بين فقهاء السنة أنفسهم ، وألقوا إليهم الأموال ، فتكونت من بعضهم طبقة من الأثرياء لا هم لهم إلا التنافس على ثلاثة مكاسب دنيوية: أيهم أكثر ولاء للمماليك واستنباطًا للأحكام التي تضفي الشرعية على نظامهم وتصرفاتهم ، فيزداد قربًا منهم وتمكينًا لديهم ، وأيهم يكون أكثر أموالًا وأتباعًا من غيره ، وأيهم يؤلف الكتب ويهديها إلى كبار رجال السلطة فترتفع منزلته عندهم . ثم استحدث المماليك سلاحًا آخر لضبط العلماء ، هو عبارة عن مجالس تأديبية منهم ، لمحاكمة بعضهم بعضًا؛ فكان الفقيه إذا أظهر تأففًا أو إنكارًا لمنكر ، أو بدا منه ما يشير إلى صحوة ضمير ، استغلت خلافاته الفقهية الاجتهادية مع منافسيه وخصومه من الفقهاء ، وانتحلت له تهمة مخالفة الشرع ، وعقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت