وعقب ذلك نشط سوق الرقيق لدى جميع الدويلات المنشقة عن السلطة المركزية ، فاتخذه الطولونيون والإخشيديون والأيوبيون ، وغيرهم في مشارق الوطن الإسلامي ومغاربه ؛ ولم يقتصر امتلاكه على الملوك والسلاطين ، بل شغف به قادة الجيش والأمراء والأغنياء والفقهاء ، حتى صار الرق سمة رقي ورفعة ونبل ؛ فاتسعت مصادره باتساع تجارته ، وشملت أعالي نهر جيحون وخوارزم ونيسابور ومرو ، وبلغاريا العظمى الممتدة من بحر قزوين إلى الأدرياتيكي ، عبر ميناء الدربند - باب الأبواب - عاصمة أذربيجان ، وجميع طرق التجارة في ذلك العصر ، كما اتخذت ألمانيا وإيطاليا وفرنسا والأندلس والسلوفاك وبولونيا وروسيا والقسطنطينية طرقًا أخرى لهذه التجارة ؛ ونشط اليهود - كعادتهم - في هذا المجال ، خاصة يهود سكسونيا الشرقية ، وأنشؤوا مراكز تجمع للرقيق ، ومراكز خصاء ، وأسواق نخاسة خاصة للكبار والأعيان ، وأسواقاعامة لغيرهم .
وكان"السادة"يتسلَّمون مماليكهم أطفالًا ، ويسلمونهم في أوقات فراغهم من الخدمة إلى فقهاء يربونهم على الإسلام ويحفظونهم القرآن الكريم ، ثم يلحقونهم بدورات للتدريب على الفروسية والقتال ، ثم يلتحقون بالخدمة العسكرية ، ويرقون فيها بالتدريج ، من الإسطبلات إلى الحراسة الأمنية ، إلى قيادة عشرة ، إلى إمارة السرايا والجيوش ، إلى الإمارة على بعض المرافق السلطانية . وشكلت فرق المماليك في عهد الفاطميين قوة هائلة كبحت جماح العناصر العربية في كل المجالات . ثم بعد تصدع دولة السلاجقة (35) نجح مماليكهم"الأتابكة (36) "في إقامة عدد من الدويلات ، مثل أتابكية دمشق ، وأتابكية الموصل وأتابكية أرمينية ، وأتابكية أذربيجان ... .
ثم قامت دولة نجم الدين أيوب (37) في مصر ، واستكثر من المماليك الأتراك ، وكون منهم معظم جيشه ؛ فلما مات وقتل ولده توران (38) ، خلفته على سلطنة مصر سنة 648 هـ - 1250 م ، حظيته المملوكة شجرة الدر ، فتزوجت وزيرها المملوك عز الدين بن أيبك ؛ وبعد أن قَتَلَتْ زوجَها ثم قُتِلَتْ عقبه ، تتابع المماليك على سلطنة مصر إلى سنة 923 هـ - 1516 م وكان منهم في عصر المؤلف - النصف الأول من القرنين الثامن الهجري ، والرابع عشر الميلادي - على التتابع ، ابتداء من سنة 698 هـ - 1299م:
ركن الدين بيبرس الثاني - الناصر محمد بن قلاوون - المنصور بن الناصر - الأشرف علاء الدين كجك بن الناصر -شهاب الدين بن الناصر - الصالح إسماعيل بن الناصر - شعبان الأول بن الناصر - حاجي الأول بن الناصر - الحسن بن الناصر - صلاح الدين بن الناصر - الحسن بن الناصر في ولايته الثانية التي دامت من 755 هـ - 1354 م ، إلى سنة 762 هـ - 1361 م ، وفي عهده توفي المؤلف نجم الدين الطرسوسي سنة 758 هـ .