الصفحة 26 من 149

الشام ومصر

المماليك لغة: الأرقاء ، ج مملوك ، وهم حكام مصر والشام في هذا العصر . وظاهرة حكم المماليك في الدولة الإسلامية من الظواهر الغريبة التي ندر حدوثها في التاريخ ؛ وإن كانت الأحداث التي سبقتها قد مهدت لها طبقًا لسنن الاجتماع البشري وقواعده .

ونظام الرق معروف لدى جميع الشعوب ، ومنهم العرب . وكان مصدره التقليدي الأسر في الحروب ، والقرصنة والاختطاف من البلاد النائية والبدائية ؛ لا سيما في فترات المجاعة والكوارث الطبيعية . وعندما بعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجد نظام الرق أحد أهم دعائم الاقتصاد في المجتمع الجاهلي ، فوضع الإسلام لتصفيته تشريعات متدرجة ، كفيلة بتصفيته . أغلق أولًا باب الرق مما سوى الحروب التي كانت خاضعة لقانون المعاملة بالمثل ، وحرم الاسترقاق بالاختطاف والقرصنة ومختلف أساليب التعدي (33) ، ثم كفل للأسرى - الرقيق الحربي - مجالًا واسعًا إنسانيًا ، يتمتعون فيه بحريتهم الدينية والفكرية والعلمية والإنتاجية ، وحقوقهم البشرية زواجًا وطلاقًا وإنجابًا وكسبًا ، وهو ما لم توفره لحد الآن ، أمة من الأمم للأسرى على مدار التاريخ ؛ كما فتح لتحريرهم من الرق أبوابًا أخرى لم تفتحها لهم أمة أبدًا ، عتقًا بمختلف الكفارات ، وعتقًا إذا اعتدي عليهم بالضرب أو اللطم ، وعتقًا بالتطوع والفداء ، والمن والمكاتبة . وسار التشريع الإسلامي في هذا المجال إلى أبعد الحدود ، فجعل هزل العتق جدًّا ، حفاظًا على كرامة الأسرى وحماية لهم من الهزل و السخرية . ولو استمرت أحوال المسلمين طبقًا لما شرعه الإسلام في هذا المجال ، لصفي الرق في وقت مبكر من تاريخ الإنسانية . لكن ملوك المسلمين استطابوا خدمات الرقيق إناثًا وذكورًا ، وضربوا بتعاليم الإسلام في أمره عرض الحائط ، وشجعوا استجلابه بكل الوسائل والطرق غير الشرعية وغير الإنسانية ، واستخدموا العبيد والإماء في خدمات الأرض ، والفلاحة والإسطبلات والبيوت ، وفي الأعمال ( الترفيهية ) غناء ورقصًا ... .

برز هذا الاتجاه في عهد المعتصم العباسي (34) ، وكانت أمه تركية ، حيث اعتنى باقتناء أطفال الترك واستخدامهم في حرسه وجنوده ، اتقاء لخطر العرب الساخطين ، والفرس الناقمين ؛ وكان يجلبهم من أقاليم ما وراء النهر ، من سمرقند وفرغانة والسند ، وأشروسنة والشاش والقوقاز ، فبلغ ما اقتناه منهم بضعة عشر ألفًا حكم بهم البلاد ، ثم ما لبث هذا الجيش أن صار وبالًا على العباسيين أنفسهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت