الصفحة 22 من 149

قال:"إذن تالله تقتلون بي غير قاتلي"، قالوا:"فاستخلف علينا"، قال:"لا ، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"قالوا:"فما تقول لربك إذا أتيته ؟"، وقال وكيع مرة:"إِذا لقيته"، قال:"أقول: اللهم تركتني فيهم ما بدا لك ، ثم قبضتني إليك و أنت فيهم ، فإن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم".

ثم تحول أمر المسلمين بعد ذلك ملوكية وراثية استبدادية ؛ على يد بني أمية سفيانيين ومروانيين ، ومن رضي من دينه بأكلة دسمة أو دينار ذهب ، أو درهم فضة . ثم وضع السيف في أمة محمد عليه الصلاة والسلام ، وكل من أنكر بيده أو لسانه أو قلبه . وبذلك تحقق ما أخبر به - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة ، وأولهن نقضًا الحكم" (25) ... وقوله:"وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة" (26) .

ولعل ما أصاب المسلمين إلى اليوم من محن بسبب فتنة الحكم ، عقاب إلهي ، لما تنازعوا أمام النبي - صلى الله عليه وسلم - عند احتضاره ، ولا ينبغي عند نبي تنازع ، ولعله لحِكَمٍ أخرى يعلمها الله وحده .

وتربع معاوية على أريكة الملك الذي أسموه خلافة ، وتخلص من مناوئيه بالسيف تارة ، وبالرشوة أخرى ؛ وشفى غيظ قومه باضطهاد آل البيت ، وتسميم أعيانهم ، ولعنهم على المنابر . ثم جمع الأتباع على بيعة ولده الفاسق"يزيد" (27) ، وأكره كرام الصحابة على ذلك تحت بارقة السيف ؛ بل حتى عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - الذي بايعه وبايع يزيد ، قتله الحجاج بن يوسف غيلة بأخس ما تتفتق عنه ذهنية شيطان (28) .

وخلف معاويةَ ولدُه يزيد ، فشرب الخمر وجاهر بالفاحشة ، وواصل قتل آل البيت واضطهاد الصحابة ، واستباحة الحرمين الشريفين - مكة والمدينة - ؛ فكان بذلك عهد بني أمية بابًا للفتنة الصماء التي هاجت وماجت بالأمة ، ومازالت تعيث فيها إلى عصرنا الحاضر ، وفيما يستقبل إن لم يتداركنا الله بالرشد ، ويهدنا للعودة إلى نبع القرآن الكريم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت