يتنازعوا كما تنازعوا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وبايعوا عمر ، وتجنبوا بذلك فتنة ما كانت لتذر أخضر ولا يابسًا .
وعندما ولي عمر أمر المسلمين ، سار على النهج نفسه ، مكرسًا مساواة المسلمين في الحقوق والواجبات فلم يستأثر برأي ، ولم يستكبر عن مشورة ، وأبقى على مؤسسة الخلافة ملكًا للجميع سواسية .
وهو وإن اعتمد في الفقه والقضاء والسياسة على آل البيت ، فكان يستفتي عبد الله بن عباس على صغره ، ويقول له:"غص يا غواص"، ويستشير عليًا في الأمر كله ، ويقول عنه عندما نهاه عن رجم من ولدت لستة أشهر ، وعن رجم المرأة الحامل:"لولا علي لهلك عمر"، فإنه سار في أمر توزيع المسؤوليات التنفيذية على نهج يبعد عنها بني هاشم ، بإسناده أهم الولايات إلى غيرهم حذر أن تتحول المناصب جسرًا للاستئثار بالسلطة وتوارثها ، لا سيما وهم أقرب الناس إلى استحقاقها .
ثم لما حضرته الوفاة نصحه بعضهم باستخلاف ولده عبد الله (23) ، فأبى بشدة ، وقال:"حسب آل الخطاب تحمل رجل منهم الخلافة ، ليس له من الأمر شئ". ثم التفت إلى ولده عبد الله فقال له:"يا عبد الله ، إياك ثم إياك ، لا تتلبس بها". ثم كان آخر وصيته ألا يتحول أمر المسلمين إلى وراثة ؛ فقال لعلي - رضى الله عنه -:"لعل هؤلاء القوم يعرفون لك حقك وشرفك وقرابتك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وما آتاك الله من العلم والفقه والدين فيستخلفوك ، فإن وليت هذا الأمر فاتق الله يا علي فيه ، ولا تحمل أحدًا من بني هاشم على رقاب الناس"وقال لعثمان:"يا عثمان لعل هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنك وشرفك وسابقتك ، فيستخلفوك ، فإن وليت هذا الأمر فلا تحمل أحدًا من بني أمية على رقاب الناس". وما كان عمر ينوي أن يوصي لأحد ، لولا إلحاح المسلمين وإصرارهم ، فهو عندما طالبوه بالاستخلاف أول الأمر ، قال لهم:"والله لا أحملكم حيًا وميتًا" (24) .
أما في أواخر عهد عثمان - رضي الله عنه - ، فقد حاد نظام الحكم عن النهج الرشيد ، واستبدت قبيلة الخليفة من وراء ظهره بالأمر ؛ فبدأ السوس ينخر مؤسسة الخلافة من داخلها ، وتغلب الانتماء العائلي على الانتماء للجماعة ، فكانت الفتنة التي ذر قرنها باغتيال عثمان مظلومًا ، ثم باغتيال علي شهيدًا . بعد أن رفض بإصرار أن يستخلف ، اقتداءً منه برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، الذي لم يستخلف كما أخرج ذلك أحمد في مسنده بتحقيق أحمد شاكر (2/242 رقم 1078) بإسناد صحيح ، عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد ، عن عبد الله بن سبع ،قال:"سمعت عليًا يقول:"لتخضبن هذه من هذا ، فما ينتظر بي الأشقى ؟"قالوا:"يا أمير المؤمنين ، فأخبرنا به نبير عترته"،"