الصفحة 20 من 149

بهذه الروح العالية ، والنظرة البعيدة ، والتقوى العميقة ، نظر الإمام علي إلى أمر الحكم ، فجنب المسلمين كوارث وفتنًا ، ما لبثوا أن وقعوا فيها بإرادة من جاء بعد صفوة الصحابة ممن ملأ حب السلطة قلوبهم .

وليس بغريب هذا الرشد وعلو الهمة من الإمام علي ، فهو نتاج تربية النبوة ، وهو الذي لم يسجد لصنم قط ، وهو الصبي الذي نشأ في عبادة الله ، فلم يختلط في قلبه وذهنه أبدًا جاهلية بإسلام .

أما القطب الثاني ، أبو بكر - رضي الله عنه - ، فإنه بادر بالالتحاق بأهل سقيفة بني ساعدة درءًا للفتنة ، ولكنه لم يدع وصية من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يحتج بآية أو حديث على أحقية قريش بالأمر من دون الأمة ؛ وإنما برر ذلك بالمصلحة ، وضرورات العقل وتجنب النزاع؛ ثم عندما روى حديث:"لا نورث ، ما تركناه صدقة"كرس مفهوم انتفاء وراثة النبي - صلى الله عليه وسلم - مالًا ونبوة وسلطة (19) . ثم عندما بويع ، أكد عدم تميزه عن المسلمين بقوله:"وليت عليكم ولست بخيركم ، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ... (20) "، فكان - رضي الله عنه - بحلمه ودماثة خلقه وحكمته وعلمه بطبائع الخلق وأنساب العرب وعصبياتهم ، وما اقتبسه من نور النبوة ، بلسمًا للمسلمين ، جنبهم الفتن في أشد فترات نشأة دولتهم حرجًا ، وحال دون هيمنة الأسر القوية على شؤون الحكم ، وسد ذرائع تُحَوِّلُ أمره إلى نظام وراثي استبدادي . وعند وفاته لم يحاول الاستخلاف إلا خوف الفتنة ، ومجاراة لرأي المسلمين الذين ألحوا عليه فيه . ومع ذلك عندما أمر عثمان بكتابة وصيته ، قال له:"اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين"ثم أغمي عليه لشدة مرضه ، وربما لكراهيته الاستخلاف، فأضاف عثمان إلى الكتاب وأبو بكر في غيبوبة: ( فإني أستخلف عليكم عمر بن الخطاب ولم آل خيرًا ) ثم أفاق أبو بكر فأقر ما كتب عثمان (21) .

وبالرغم من أن بعض الصحابة يوم اشتد المرض برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال لهم:"ائتوني بدواة وبيضاء أكتب لكم كتابًا لا تضلون بعدي أبدًا"، تنازعوا وارتفعت أصواتهم وقال عمر:"إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد اشتد به الوجع ، وعندكم القرآن"فأمرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالخروج فلما ندموا ورجعوا إليه ، وقد هموا بامتثال أمره ، قال لهم:"دعوني فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه" (22) .

وبالرغم من أن الوصية لا تجوز في ما لا يملكه المرء ، وأمر المسلمين ليس ملكًا لأبي بكر ، كما أن وصية المرء في ماله لا تجوز إلا في الثلث ، ولغير الورثة ، وعند انتفاء الضرار ، وبالرغم من أن الوصية بالاستخلاف أمر استحدثه أبو بكر اجتهادًا منه للمسلمين لرأي رآه غالبيتهم ونصحوا به ، وألحوا عليه فيه ، جمعًا للكلمة واتقاءً للفتنة ، فإن المسلمين عندما تلقوا عهد أبي بكر لعمر ، لم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت