وقولهم هذا في الحقيقة:أنه يستحب لكن إن تركه يُكره،هذا فيه نظر..فإنّا إمّا أن نقول إنه يُستحب وإن تركه فلا شيء عليه،وإما أن نقول مكروه؛لأنه
لا يلزم من ترك المسنون الوقوع في المكروه،فمثلًا:لو دخل المسجد وقدَّم رجله اليسرى،السنّة أن يقدّم رجله اليمنى،هل نقول:فعلتَ
مكروهًا؟نقول:لا،بل تركت مسنونًا...وبين المسنون والمكروه مرتبة وهي الإباحة؛لأن الأحكام الشرعية:واجب ،ومحرم ،وسنّة ،
ومكروه ،ومباح.فلا يلزم من أنّ الإنسان من كونه يترك المسنون أن يقع في المكروه،وهذه الحقيقة وهذه القاعدة يُعبّر بها الفقهاء
كثيرًا،يقولون مثلًا:يُكره أن يوجّه الذبيحة حال الذبح إلى غير القبلة،لماذا؟لأن السنّة توجيهها إلى القبلة.فيقال:إنه لا يلزم من ترك
المسنون الوقوع في المكروه؛لأن بين المسنون وبين المكروه مرتبة زهي الإباحة.
يقول الشيخ-حفظه الله-في الأسئلة:
قاعدة:النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أمر بأمر أو نهى عن شيء ثم فعل ما يخالفه،دلّ ذلك على أن الأمر ليس للوجوب،والنهي ليس للتحريم.
مثال:
*نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن البول قائمًا،وأتى سُباطة قوم فبال قائمًا.
*نهى عن الشرب قائمًا،وشرب قائمًا،كما في حديث علي - رضي الله عنه - في الصحيحين عندما طاف طواف الإفاضة أتى إلى زمزم فشرب وهو قائم.لكن نقول:السنّة أن تشرب جالسًا،لكن لو شرب الإنسان واقفًا قال بعض العلماء:يُكره أن يشرب قائمًا؛لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك،وفِعْلُه يدلّ على الجواز عند الحاجة..لا أنّه جائز مطلقًا،وهذا اختيار الحافظ ابن حجر-رحمه الله-في الفتح،وأنشدَ على ذلك:
إذا رُمْتَ تشرب فاقعد تَفُز بسنّة صفوة أهل الحجاز
وقد صحّحوا شُربَهُ قائمًا ولكنّه لبيان الجواز