فهرس الكتاب

الصفحة 408 من 1649

وكانَ الناسُ، وهم العربُ ما خلا قُرَيْشًا، تتجاوزُ المزدلفة، وتَقِفُ بعرفات، وتفُيض منها، وكانت الحُمْسُ، وهم قريشٌ، تقفُ عندَ المشعرِ الحَرام، وتفُيض منهُ، ولا تتجاوزُه؛ لأن المزدلفةَ من الحَرَمِ، وتَقولُ: نحن أهلُ حَرَمِ الله، فلا نَخْرُجُ منهُ، فأمر اللهُ نبيَّه -صلى الله عليه وسلم- أن يُفيض من حيثُ أفاضِ الناسُ، وكانتْ قريش تظنُّ أن يقفَ بالمَشْعَرِ الحَرام على عادتهم، فتجاوَزهُ لأمرِ اللهِ سبحانه.

فإن قلتم: (ثُمَّ) كلمة موضوعة للترتيب في لسانِ العرب، وذَكرَ اللهُ -سبحانه- الإفاضة من حيثُ أفاضَ الناسُ بعدَ الذّكْرِ عندَ المشعرِ الحَرام، والذكْرُ عندَ المَشْعَرِ الحَرامِ لا يكونُ إلا بعدَ الإفاضة.

قلت: هي هُنا لترتيبِ الذّكْرِ، لا لِترتيبِ الحُكْمِ، فلم تخرج (ثم) عن موضوعها [1] ؛ لقوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الزمر: 6] ، ولذلك نظائرُ في القرآنِ واللُّغَةِ يطولُ ذكرُها [2] .

= الضحاك، وهو محجوج بالإجماع. انظر:"تفسير الطبري" (2/ 293) ، و"معالم التنزيل"للبغوي (1/ 256) ، و"أحكام القرآن"لابن العربي (1/ 196) ، و"زاد المسير"لابن الجوزي (1/ 195) ، و"أحكام القرآن"للجصاص (1/ 387) .

(1) وقد ذكر هذا الاعتراض ابن العربي في"أحكام القرآن" (1/ 196) ، وأجاب عنه بأجوبة، منها قوله: أن معناه: ثم ذكرنا لكم: أفيضوا من حيث أفاض الناس، فيرجع التعقيب إلى ذكر وجود الشيء إلى نفس الوجود؛ كقوله تعالى: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ} ، المعنى: ثم أخبرناكم: آتينا موسى الكتاب؛ فيكون التعقيب في الإخبار لا في الإيتاء"، انتهى. وانظر:"أحكام القرآن"للجصاص (1/ 387) ، و"الجامع لأحكام القرآن"للقرطبي (1/ 2/ 395) ."

(2) انظر أمثلة أخرى في:"مغني اللبيب"لابن هشام (ص: 159) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت