الصفحة 270 من 492

فإن قلت: ما الدليل على تحريم ما ذكره ؟

أقول: الدليل دل على تحريم البول في الماء الدائم وذلك لعلة وهي لسد ذريعة تنجسه بالبول حتى لا يفسد على الناس ماءهم ، والصورة التي ذكرها ابن حزم هي بعينها تحمل نفس العلة التي من أجلها حرم البول ، بل قد يكون أولى فتكون من القسم الأول ، وذلك لأن الإنسان قد لا يجد مكانًا يبول فيه إلا هذا الماء كالسابح فيه مثلًا ولا يستطيع الخروج منه وقد يتضرر بإمساك بوله المستعد للخروج لكن إذا بال في قارورة ثم صبها في الماء فإن هذا الفعل هو محض العناد إذ لا حاجة لصبها في الماء ، فالحالتان لا فرق بينهما لا المنطوق به ولا المسكوت عنه، فيعطى المسكوت عنه هو البول في قارورة ثم صبها في الماء يعطى حكم المنطوق به للاتفاق في العلة .

ومنها: حرمت الشريعة أكل مال اليتيم وذلك بقوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } فأكل مال اليتيم حرام وهذا هو ما نطق به الدليل ، لكن ما حكم إحراق مال اليتيم وإتلافه بالصدقة أو إهداؤه ؟ كل ذلك لم ينطق بحكمه النص ، لكن لما نظرنا إلى علة النهي عن أكل مال اليتيم وجدنا أنها لحرمته ووجوب حفظه حتى يكبر ، فإذًا كل فعل أدَّى إلى انتهاك حرمة مال اليتيم وتلفه فهو محرم ، والله تعالى مثّل بالأكل لكن إحراقه والتصدق به وإهداؤه كل ذلك داخل في التحريم لأنه كالأكل بجامع الانتهاك والتلف في كلٍ،فهذه الأشياء المسكوت عنها أعطيت حكم المنطوق به لأنها تساويه في العلة فهو مفهوم موافقة مساوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت