الصفحة 269 من 492

ومثال آخر: امتناع النبي - صلى الله عليه وسلم - عن السلام على من سلم عليه ، لأنه ذِكْر ويكره الذكر على غير طهارة، فقسنا عليه سائر أنواع الذكر التي تساويه والتي أعظم ذكرية منه، وذلك لما فهمنا العلة من الكراهة ، لكن لو لم نفهم من الأمر بالمنطوق أو النهي عنه علة فإنه لا ينبغي حينئذٍ إلحاق غيره به ، وكل الأمثلة السابقة الذكر هي مما علمنا علته فألحقنا غيرها بها لعلمنا بالعلة ، إذًا يشترط لصحة القول بمفهوم الموافقة الأولوي معرفة العلة للمنطوق به ، وذلك لأن مفهوم الموافقة في حقيقته أنه قياس بمعنى أنه إلحاق فرعٍ مسكوت عنه بأصلٍ منطوق به في حكم لعلة تجمع بينهما .

فهذا بالنسبة للكلام على القاعدة الأولى والله أعلم .

وأما القاعدة الثانية: وهي قولنا:"مفهوم الموافقة المساوي حجة"الكلام فيه كالكلام فيما قبله ، لكن الأول: حكم المسكوت عنه أولوي ، وهنا مساوي ويعرف بأنه ما يكون حكم المسكوت فيه مساويًا للمنطوق به . وهو حجة كسابقه ، بل قال ابن مفلح:"ذكره بعضهم إجماعًا لتبادر فهم العقلاء إليه واختلف النقل عن داود"اهـ . وبيان صورته أن ينطق الدليل بحكم شرعي لشيء ما ، ويسكت عن أشياء أخرى مماثلة للمنطوق به في العلة فحينئذٍ نلحقها به في الحكم لأنها مساوية له في علته والشريعة لا تفرق بين متماثلين كما أنها لا تجمع بين مختلفين ونضرب لك أمثلة ليتضح لك الأمر فأقول: -

منها: حرمت الشريعة البول في الماء الدائم وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم - (( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه ) )متفق عليه ، فهذا نص قاطع عن مباشرة البول في الماء الدائم ، لكن من العجيب أن ابن حزم - رحمه الله تعالى - قال:"إذا بال في قارورة ثم صبها في الماء فلا بأس لعدم النص الذي يحرم ذلك"وهذا من أعاجيبه رحمه الله تعالى وما هي بأول فلتاته غفر الله له وأجزل له المثوبة وجمعنا به في الجنة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت