أقول: لاشك أن الكافر أغلظ فسقًا من الفاسق الملي ، فإذا كانت شهادة الفاسق المسلم ترد فما بالك بشهادة الكافر الأصلي أو المرتد ؟! فإنه لاشك أولى بالرد ، فاتفق المنطوق به وهو شهادة الفاسق مع المسكوت عنه - وهو شهادة الكافر - في الحكم فكل منهما مردودة على صاحبها ، لكن المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به ، فهذا (مفهوم الموافقة) للاتفاق بين المسكوت عنه والمنطوق به في الحكم ، (أولوي) أي أن ما سكت عنه الدليل أولى بالحكم مما نطق به ، فإن قلت: فإذا كانت شهادة الكافر أولى بالرد من شهادة الفاسق ، فلماذا لم ينص عليها بعينها ؟
فأقول: إن هذا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى ، أي إذا كان حكم الأدنى هو كذا وكذا فما بالك بحكم الأعلى !! أي إذا كان (الأف) وهي الأدنى حكمها حرام ، فيقاس عليها جميع ما سواها وما هو أعلى منها من باب أولى ، وإذا كانت شهادة الفاسق وهي الأدنى مردودة فيقاس عليها شهادة الكافر من باب الأولى ، فهذا كما ذكرت من باب التنبيه بالأدنى على حكم الأعلى ، أي بمجرد معرفتنا لحكم الأدنى عرفنا مباشرة بالعقل حكم الأعلى ، لكن لو نص على حكم الأعلى فقط فإن ما هو أدنى منه يحتاج إلى دليل آخر ينص عليه لأنه لا يدخل الأدنى في دليل الأعلى وهذا واضح والله أعلم .
ومن الأمثلة أيضًا: دل الدليل على أن الريح ناقض من نواقض الوضوء وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم - (( حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا ) )فإذا كانت الريح ناقضة للوضوء فما بالك بالغائط ! فإذا كان الأدنى وهو الريح ناقضة فلا شك أن الأعلى وهو الغائط ناقض من باب أولى ، فهذا مفهوم موافقة أولوي ، فلو لم يأت نص على النقض بالغائط لكفانا الاستدلال بهذا المفهوم .