الدليل الثالث: أن عالم الجن: عالم غيبي لا يجوز للمرء تعمد حضوره ولا قصد مشاهدته ، ولا أدلّ على ذلك أكثر مما ورد في أحداث ليلة الجن عندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم ومعه عبدالله بن مسعود رضي الله عنه حتى وصل إلى موطن فخط خطًا حول ابن مسعود ، وقال: ( لا تبرحن خطك فإنه سينتهي إليك رجال فلا تكلمهم فإنهم لا يكلمونك ) ، قال ابن مسعود رضي الله عنه: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أراد ، فبينا أنا جالس في خطي إذ أتاني رجال لهم الزُّطّ: أشعارهم وأجسامهم ، لا أرى عورة ، ولا أرى قشرا ، وينتهون إليّ ولا يجاوزون الخط ، ثم يصدرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. الحديث رواه الإمام أحمد والترمذي .
الدليل الرابع: أن عادة الجن جرت على أنها لا تخدم الإنسان إلا بمقابل من صرف شيٍ من أنواع العبادة لها ، أو امتهان ما له حرمة ، وبغير ذلك لا تحضر وتخدم الإنسان إلا باستثناء وأمرٍ إلهي ، كما حصل للجن مع سليمان عليه السلام ، وهذا خاص به دون غيره من الأنبياء فضلًا على سائر البشر .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( ومن استمتاع الإنس بالجن استخدامهم في الإخبار بالأمور الغائبة كما يخبر الكهان ، فإن في الإنس من له غرض في هذا ، لما يحصل به من الرياسة والمال وغيره ، فإن كان القوم كفارًا كما كانت العرب لم تبال بأن يقال: إنه كاهن ، كما كان بعض العرب كهانًا ، وقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وفيها كهان ، وكان المنافقون يطلبون التحاكم إلى الكهان ، وكان أبو أبرق الأسلمي أحد الكهان قبل أن يسلم ، وإن كان القوم مسلمين لم يظهر أنه كاهن ، بل يجعل ذلك من باب الكرامات ، وهو من جنس الكهان ، فإنه يخدم الإنسي بهذه الأخبار إلا لما يستمتع به من الإنسي ، بأن يطيعه الإنسي في بعض ما يريده إما في شرك وإما في فاحشة وإما في أكل حرام ، وإما في قتل نفسٍ بغير حق ) .