إن غياب هذه المبادئ يشكل عائقًا ثقافيًا يضاف إلى غياب استراتيجية تربوية في مجال الاستثمار الاجتماعي وتعليم الأبناء وبناء مستقبلهم بالاستفادة من فرص التعليم المتاحة في المدارس الأوربية. و لا شك أن هذين العاملين، فضلًا عن عوامل أخرى خارجية، يعرضان الأطفال إلى أنواع من الإحباط والفشل سواء على المستوى التربوي أو الاجتماعي.
إن الإخفاق المدرسي الذي ينتهي عادة بالطرد والتهميش سيضاف إلى تراكمات أخرى من الفشل سواء داخل الأسرة أو في مجال العمل، إضافة إلى ظروف البطالة والفقر والحرمان ليزيد من تفاقم أزمة وضعية الشباب المنحدرين من الهجرة والذين يعيشون وضعية قلقة ومضطربة يبرز فيها تعارض المرجعيات وازدواجيتها في القدوة والتربية والتعليم.
و لاشك أن ظروف التهميش الثقافي والاجتماعي هذه ستترتب عليها نتائج جد سلبية تتجلى في ميل الشباب إلى العنف والانحراف كمظاهر للاختلال الاجتماعي الذي يعانيه الشباب الأوربي عمومًا والذي يصدر عنه كنوع من الاحتجاج أو محاولة لإثبات الذات أو رد الاعتبار.
وإذا كانت ظاهرة الانحراف موجودة بالفعل في صفوف الشباب المسلم، فإنه يجب معالجتها بواقعية وعدم إهمالها، غير أنه يجب التحسب هنا لمحذورين وهما ربطها بالدين أو بالهجرة، بما أنها نتيجة خلل عام، كما ينبغي النظر إليها في حجمها الفعلي دون تهويل أو مبالغة.
سبقت الإشارة إلى أن من وظائف الأسرة ربط حلقات المجتمع ببعضها بنقل قيم وثقافة المجتمع للأجيال المتوالية عن طريق التربية مما يجعل المرء يتساءل؛ أية علاقة تربط الأجيال المسلمة في بلاد أوربا، هل هي علاقة صراع أم تواصل؟
الواقع أن الأسرة الإسلامية حملت معها إلى المهجر تراثًا اجتماعيًا يؤسس الأوضاع والأدوار والعلاقات على قاعدة ترتيب عمودي تكون للأجيال الكبيرة فيه» هيمنة «على الأجيال الناشئة، غير أن هذا النظام وجد نفسه في مواجهة نظام آخر للأوضاع والعلاقات قائم على المساواة بحكم ترتيب أفقي تبرز فيه مكانة الفرد، الشيء الذي نتج عنه اضطراب وصراع في المواقف والسلوكيات واختلال في الروابط التي يقوم عليها بناء الأسرة المسلمة، ولعل هذا ما يبرز بشكل أساسٍ في العلاقات بين الأجيال، وإذا كان صراع الأجيال ظاهرة عادية وعامة وكونية، فإنها تتخذ هنا طابعًا خاصًا بحكم التفاوت الكبير في المستوى الثقافي والفكري بين جيل الآباء والأبناء، فالآباء الذين هم في الغالب أميون قد تربوا ونشأوا في بيئة اجتماعية وثقافية معينة ويمثلون نموذجًا معينًا للتفكير، وليسوا مهيئين نفسيًا وعقليًا واجتماعيًا للاندماج في الوسط الجديد.