الصفحة 6 من 7

أما الأبناء فهم على غير هذا الحال، إذ هم قد ولدوا في أوربا، وتشبعوا في نشأتهم بعاداتها وقيمها وأصبحوا منسجمين فيها أكثر من انسجامهم في ثقافة الآباء التي غالبًا لا يستوعبونها و لا يؤمنون بصلاحيتها وجدواها في البيئة الأوربية.

و من هنا يأتي مصدر الصعوبات التي تتمثل في اختلاف التصوّرات ووجهات النظر للأشياء وتقييم الأفكار والمواقف، وكثيرًا ما تزداد هذه الصعوبات حدة خصوصًا في مرحلة المراهقة عند الأبناء فتصل إلى نوع من التنافر والقطيعة ينتفي معها الانفتاح والحوار وبالتالي يغيب التواصل.

ولاشك أن غياب السلطة التربوية للآباء أو تقلص فاعليتها على الأقل، إضافة إلى الموقف الغامض من الهوية عند الأبناء وازدواجية النماذج والمرجعيات المطروحة عليهم يجعلهم يعيشون صراعًا نفسيًا يميلون إلى حسمه سواء بالقطيعة النهائية مع مرجعية الآباء أو بالحفاظ على الصلة، ولكن ثمن ذلك سيكون ازدواجية في الشخصية.

التوعية بضرورة الاستقرار و توطين المسلمين في الغرب

معلوم لدى المختصّين من علماء الاجتماع أن العامل السكاني مؤثر تأثيرا مهمًّا فيما يتعلق بالأنشطة النوعية للناس في مكان ما. و كون تمركز المواطنين المسلمين في مناطق وأمكنة متقاربة، قد جعل منهم تجمعات سكانية ذات خصائص متجانسة نوعا ما. فمعدّلات الولادات لديهم تفوق في بعض المناطق الأسر الغربية، و عليه فإنهم أصبحوا عبارة عن أقليات لها خصائصها السكانية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية. والخلاصة هي أن الإسلام أصبح إحدى الديانات السماوية الحاضرة في الغرب بفضلهم، ويكاد يكون هو الديانة الثانية في بعض تلك الدول. ويشير التقرير الختامي لاجتماع الخبراء لوضع استراتيجية العمل الثقافي في الغرب لهذه الوضعية الجديدة والمتمثلة في استقرار الإسلام والمسلمين في الدول الغربية حينما يقول:

ـ إن الوجود الإسلامي في أوربا غدا واقعًا حيًا مستقرًا يضرب بجذوره في أجزاء من أوربا، التي عاشت ردحًا من الزمان في ظل الإسلام، وأسهمت من خلال تعاليمه المضيئة وحضارته الزاهرة، في الحضارة الإنسانية» و تلك الأيام نداولها بين الناس «.

ـ إن الوجود الإسلامي بواقعه وقضاياه بات يمثل ثقلًا بشريًا وحضاريًا يستأثر باهتمام المخططين والاستراتيجيين على مستوى العالم الإسلامي، وعلى مستوى قادة الرأي و المسئولين في المجتمعات الأوربية.

ـ إن المسلمين بفعاليتهم المختلفة أصبحوا جزءًا لا يتجزأ من مجتمعهم الأوربي الكبير، لديهم القدرات والكفاءات الذاتية التي تخولهم امتلاك زمام أمورهم، والتخطيط لحاضرهم ومستقبلهم والقيام بدورهم الإيجابي.

وتأسيسًا على كل ذلك، لا يمكن أن نترك الأجيال المغتربة اليوم في حالة العزلة، كما لا يمكن تركها في حالة التشتت والانقسام إلى طوائف وتيارات، بل إن ضرورة العمل الإسلامي تفرض علينا إيجاد استراتيجية لحماية الهوية الثقافية للمسلمين من الاستلاب الفكري الذي يهدد معتقداتها الإسلامية، وذلك بالاعتماد على المرجعية الثقافية الإسلامية الأصيلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت